معاني القرآن للفراء — الفراء

عن الكتاب
قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا الْفَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّد بن عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّيْمِيّ عَن مُغيرة عَن إِبْرَاهِيم أَنَّهُ قرأ (واللَّيْسَع) بالتشديد. وأما قولهم (وَالْيَسَعَ) فإن العرب لا تُدخل عَلَى يفعَل إِذَا كَانَ فِي معنى فلانٍ ألفًا ولامًا. يقولون: هَذَا يَسَع، وهذا يَعْمر، وهذا يزيد. فهكذا الفصيح من الكلام. وقد أنشدني بعضهم:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركًاشديدًا بأحناء الْخِلافة كاهلُهْ
فلمَّا ذَكَر الوليد فِي أول الكلمة بالألف واللام أتبعه يزيد بالألف واللام وكلّ صواب.
وقوله (وَذَا الْكِفْلِ) يُقال إنه سُمي ذا الكفل أن مائة من بني إسرائيل انفلتوا من القتل فآواهم وَكَفَلَهُمْ. ويُقال: إنه كَفَلَ لله بشيء فوفى بِهِ. والْكِفْلُ فِي كلام العرب: الْجَدّ والحَظّ فلو مُدح بذلك كَانَ وَجْهًا عَلَى غير المذهبين الأوّلين.
وقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ [٥٠] ترفع (الْأَبْوابُ) لأن المعنى: مفتَّحَةً لَهم أبْوابها.
والعربُ تجعل الألف واللام خَلفا من الإضافة فيقولون: مررتُ عَلَى رجلٍ حَسَنَةٍ الْعَيْنُ قَبِيحٍ الأنفُ والمعنى: حسنةٍ عَيْنُه قَبِيحٍ أنفهُ. ومنه قوله (فَإِنَّ الْجَحِيمَ «١» هِيَ الْمَأْوى) فالمعنى- والله أعلم-:
مأواهُ. ومثله قول الشاعر:
ما ولدتكم حيّة بنة مالكسِفَاحًا وَمَا كانت أحاديث كاذب
ولكن نرى أقدامنا فِي نعالكموآنُفَنا بين اللحى والْحَواجِبِ
ومعناهُ: ونرى آنفنا بين لِحاكم وحواجبكم فِي الشبة. ولو قَالَ: (مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) عَلَى أن تجعل المفتحة فِي اللفظ للجنات وَفِي المعنى للأبواب، فيكون مثل قول الشاعر «٢».
ومَا قَوْمِي بثعلبة بن سَعْدٍولا بفزارة الشعر الرقابا
(١) الآية ٣٩ سورة النازعات.
(٢) هو الحارث بن ظالم المري، كما فى كتاب سيبويه ١/ ١٠٣. وهو من قصيدة مفضلية ينتفى فيها من نسبه فى بغيض بن ريث بن غطفان ويعلن التحاقه بقريش وكان قد فر لحدث أحدثه وفى ا: «فما قومى» والشعر جمع أشعر وهو الكثير الشعر. والشعرى مؤنث أشعر.
والشُعْرى رقابا. ويروى: الشُّعْر الرقابا.
وقال عَدِيّ:
مِن وَلِيٍّ أوْ أخي ثِقَةٍوالبعيد الشاحِط الدّارا «١»
وكذلك تجعل معنى الأبواب فِي نَصْبها، كأنك أردت: مفتَّحة الأبواب ثُمَّ نوَّنت فنصبت.
وقد يُنشَد بيت النابغة:
ونأخذ بعده بذُناب دَهْرٍأجبَّ الظهرَ ليسَ لَهُ سَنَامُ «٢»
وأَجَبِّ الظهر.
١٦٤ ب وقوله: وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ [٥٢] مرفوعة لأن (قاصِراتُ) نكرة وإن كانت مضافة إلى معرفة ألا ترى أن الألف واللام يحسنان فيها كقول الشاعر: «٣»
من القاصرات الطَّرْفِ لو دَبّ مُحْوِلِمن الذَّرّ فوق الإتْب منها لأثَّرا
(الإتب «٤» : المئزر) فإذا حسنت الألف واللام فِي مثل هَذَا ثُمَّ ألقيتهما فالاسم نكرة. وربما شبَّهت العرب لفظه بالمعرفة لِمَا أضيف إلى الألف واللام، فينصبونَ نعته إِذَا كَانَ نكرة فيقولون:
هَذَا حَسَن الوجه قائمًا وذاهبًا. ولو وضعت مكان الذاهب والقائم نكرة فيها مدح أو ذمّ آثرت الإتباع، فقلتُ: هَذَا حَسَنُ الوجه موسر، لأنَّ الْيَسَارة مدح. ومثله قول الشاعر:
ومَنْ يُشوِه يوم فإن وراءهتباعة صيّاد الرّجال غشوم «٥»
(١) ا: «وأخى» فى مكان «أو أخى».
(٢) هذا من مقطوعة فى النعمان بن المنذر حين كان مريضا. وقبله.
فإن يهلِك أَبُو قابوسَ يهِلِكربيعُ الناسِ والشهر الحرام
وأبو قابوس كنية النعمان. وذناب دهر: ذيله. وفى ابعد (دهر) :«عيش» وهو إشارة إلى رواية أخرى و «أجب الظهر» مقطوعه. وهذا على تمثيل الدهر أو العيش الضيق ببعير لا سنام له ولا خير فيه. وانظر الخزانة ٤/ ٩٥. [.....]
(٣) هو امرؤ القيس. والمحول: الذي أتى عليه حول أي عام.
(٤) سقط ما بين القوسين فى ا.
(٥) يريد أن الشيب أخذه ونال منه. ويريد بصياد الرجال الموت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى