الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَنِ امْشُواْ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ " أنْ " مصدريةً أي : انطلقوا بقولِهم : أن امْشُوا وأَنْ تكونَ مفسِّرةً : إمَّا ل انطلق لأنه ضُمِّنَ معنى القول. قال الزمخشريُّ :" لأنَّ المنطلقين عن مجلس التقاوُلِ/ لا بُدَّ لهم أَنْ يتكلموا ويتفاوضوا فيما جَرَى لهم ". انتهى. وقيل : بل هي مفسِّرةٌ لجملةٍ محذوفةٍ في محلِّ حالٍ تقديرُه : وانطلقوا يتحاورون أن امْشُوا. ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً معمولةً لهذا المقدرِ. وقيل : الانطلاقُ هنا الاندفاعُ في القولِ والكلامِ نحو : انطلق لسانُه، فأَنْ مفسرةٌ له من غير تضمينٍ ولا حَذْفٍ. والمَشْيُ : الظاهر أنه هو المتعارَفُ. وقيل : بل هو دعاءٌ بكثرة الماشيةِ، وهذا فاسِدٌ لفظاً ومعنى. أمَّا اللفظُ فلأنَّه إنما يقال من هذا المعنى " أَمْشَى الرجلُ " إذا كَثُرَتْ ماشيَتُه بالألفِ أي : صار ذا ماشيةٍ، فكان ينبغي على هذا أَنْ يقرأَ " أَمْشُوا " بقطع الهمزةِ مفتوحةً. وأمَّا المعنى فليس مراداً البتةَ، وأيُّ معنى على ذلك ! !
إلاَّ أنَّ الزمخشريَّ ذكر وجهاً صحيحاً من حيث الصناعةُ وأقربُ معنًى ممَّا تقدَّم، فقال :" ويجوزُ أنَّهم قالوا : امشُوا أي : اكثروا واجتمعوا، مِنْ مَشَتِ المرأةُ : إذا كَثُرَتْ وِلادتها، ومنه الماشيةُ للتفاؤل ". انتهى. وإذا وُقِفَ على " أنْ " وابْتُدِئ بما بعدَها فليُبْتَدَأْ بكسرِ الهمزةِ لا بضمِّها لأنَّ الثالثَ مكسورٌ تقديراً إذ الأصل : امْشِيُوا ثم أُعِلَّ بالحَذْفِ. وهذا كما يُبْتدأ بضم الهمزةِ في قولك " اغْزِي يا امرأةُ ". وإنْ كانت الزايُ مكسورةً لأنَّها مضمومةٌ في الأصل إذ الأصل : اغْزُوِي كاخْرُجي فأُعِلَّ بالحذفِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى