محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ٦ من سورة ص في ٩٥ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و١٠ أقوال من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ٦ من سورة ص

٩٥ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى : ﴿وَانطَلَقَ الملأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىَ آلِهَتِكُمْ إِنّ هََذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ :


يقول تعالى ذكره : وانطلق الأشراف من هؤلاء الكافرين من قريش، القائلين : أجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِدا بأنِ امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتكم. فأن من قوله : أن امْشُوا في موضع نصب يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل : انطلقوا مشيا، ومضيا على دينكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«وَانْطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ ». وذُكر أن قائل ذلك كان عُقْبة ابن أبي مُعِيط. ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد :( وَانْطَلَق المَلأُ مِنْهُمْ )، قال : عقبة بن أبي معيط.
وقوله : إنّ هَذَا لَشْيءٌ يُرَادُ : أي إن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعا ولسنا مجيبيه إلى ذلك.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
طالب، ثم ذكر نحوه، إلا أنه لم يقل ذي الشرف، وقال: إلى قوله (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن يحيى بن عمارة، عن سعيد بن جُبَير، قال: مرض أبو طالب، قال: فجاء النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم يعوده، فكان عند رأسه مقعدُ رجل، فقام أبو جهل، فجلس فيه، فشَكَوا النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم إلى أبي طالب، وقالوا: إنه يقع في آلهتنا، فقال: يا ابن أخي ما تريد إلى هذا؟ قال:"يا عمّ إنَّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الْجِزْيَةَ" قال: وما هي؟ قال:"لا إلَهَ إلا الله"، فقالوا: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ (٧)﴾
يقول تعالى ذكره: وانطلق الأشراف من هؤلاء الكافرين من قريش، القائلين: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا) بأن امضُوا فاصبروا على دينكم وعبادة آلهتكم. فأن من قوله (أَنِ امْشُوا) في موضع نصب يتعلق انطلقوا بها، كأنه قيل: انطلقوا مشيا، ومضيا على دينكم. وذُكر أن ذلك في قراءة عبد الله:"وَانْطَلَقَ المَلأ مِنْهُمْ يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ". وذُكر أن قائل ذلك كان عُقْبَة بن أبي مُعيط.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: (وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ) قال: عقبة بن أبى معيط.
وقوله (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) : أي إن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا الله، شيء يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعا ولسنا مجيبيه إلى ذلك.
وقوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) اختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم: معناه: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من البراءة من جميع الآلهة إلا من الله تعالى ذكره، وبهذا الكتاب الذي جاء به في الملة النصرانية، قالوا: وهي الملة الآخرة.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) يقول: النصرانية.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) يعني النصرانية; فقالوا: لو كان هذا القرآن حقا أخبرتنا به النصارى.
حدثني محمد بن إسحاق، قال: ثنا يحيى بن معين، قال: ثنا ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن القرطبي في قوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) قال: ملة عيسى.
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط عن السديّ (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) النصرانية.
وقال آخرون: بل عنوا بذلك: ما سمعنا بهذا في ديننا دين قريش.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) قال: ملة قريش.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله (فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) قال: ملة قريش.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) : أي في ديننا هذا، ولا في زماننا قَطُّ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ) قال: الملة الآخرة: الدين الآخر. قال: والملة الدين. وقيل: إن الملأ الذين انطلقوا نفر من مشيخة قريش، منهم أبو جهل، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديّ أن أناسا من قُرَيش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب، فلنكلمه فيه، فلينصفنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلهه الذي يَعبُد، فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكون منا شيء، فتعيرنا العرب فيقولون: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه، قال: فبعثوا رجلا منهم يُدعى المطَّلب، فاستأذن لهم على أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم يستأذنون عليك، قال: أدخلهم; فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمُره فليكفّ عن شتم آلهتنا، ونَدَعَه وإلهه; قال: فبعث إليه أبو طالب; فلما دخل عليه رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسَرَواتهم، وقد سألوك النَّصَف أن تكفّ عن شتم آلهتهم، ويدعوك وإلهك; قال: فقال:"أي عم أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟ "
قال: وإلامَ تَدْعُوهُمْ؟ قال:"أدعوهم إلى أن يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا العَجَمَ"; قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك لنعطينكها وعشر أمثالها، قال:"تَقُولُونَ لا إلَهَ إلا الله". قال: فنفروا وقالوا: سلنا غير هذه، قال:"لَوْ جِئْتُمُونِي بالشَّمْسِ حتى تَضَعُوها في يَدِي ما سأَلْتُكُمْ غيرَها"; قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابا وقالوا: والله لنشتمنك والذي يأمرك بهذا (وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ).. إلى قوله (إِلا اخْتِلاقٌ) وأقبل على عمه، فقال له عمه: يا ابن أخي ما شططت عليهم، فأقبل على عمه فدعاه، فقال:"قُلْ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ، تَقُولُ: لا إلَهَ إلا الله"، فقال: لولا أن تعيبكم بها العرب يقولون جزع من الموت لأعطيتكها، ولكن على مِلَّة الأشياخ; قال: فنزلت هذه الآية (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) قال: نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب فكلموه في النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم.
وقوله (إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ) يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء المشركين في القرآن: ما هذا القرآن إلا اختلاق: أي كذب اختلقه محمد وتخرَّصه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله (إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ) يقول: تخريص.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح،

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
بِخَفْضِ السَّاعَةِ وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ النَّوْصُ التَّأَخُّرُ والبوص التقدم، ولهذا قال تبارك وتعالى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أَيْ لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فرار ولا ذهاب والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب.

[سورة ص (٣٨) : الآيات ٤ الى ١١]

وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨)
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ في تعجبهم من بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيرا ونذيرا كما قال عَزَّ وَجَلَّ: أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَساحِرٌ مُبِينٌ [يونس: ٢] وقال جل وعلا هَاهُنَا:
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ أَيْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً أَيْ أَزَعَمَ أَنَّ الْمَعْبُودَ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَعَجَّبُوا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَلَقَّوْا عَنْ آبَائِهِمْ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ فَلَمَّا دَعَاهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خلع ذلك من قلوبهم وإفراد الإله بالوحدانية أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ
وَهُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وكبراؤهم قائلين امْشُوا أَيِ اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ وَلَا تَسْتَجِيبُوا لِمَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ من التوحيد، وقوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ «١» إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّوْحِيدِ لَشَيْءٌ يُرِيدُ بِهِ الشَّرَفَ عَلَيْكُمْ وَالِاسْتِعْلَاءَ وَأَنْ يَكُونَ لَهُ منكم أتباع ولسنا نجيبه إليه.

[ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمة]

قال السدي إن ناسا مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ فِي نَفَرٍ مِنْ مشيخة قريش فقال بعضهم لبعض
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٥٢.
انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْنُكَلِّمْهُ فِيهِ فَلْيُنْصِفْنَا مِنْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَمُوتَ هَذَا الشَّيْخُ فَيَكُونَ مِنَّا إِلَيْهِ شَيْءٌ فَتُعَيِّرُنَا بِهِ الْعَرَبُ يَقُولُونَ تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَنْهُ تَنَاوَلُوهُ فَبَعَثُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ المطلب فاستأذن لهم علي بن أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ يَسْتَأْذِنُونَ عَلَيْكَ قَالَ أَدْخِلْهُمْ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَبَا طَالِبٍ أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا وَنَدَعْهُ وَإِلَهَهُ، قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ وَسَرَاتُهُمْ وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ قال صلى الله عليه وسلم: «يَا عَمِّ أَفَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خير لهم» قال وإلام تدعوهم؟ قال ﷺ «أدعوهم أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ ويملكون بها العجم» فقال أبو جهل لعنه الله من بين القوم ما هي وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها قال صلى الله عليه وسلم: «تقولون لا إله إلا الله» فنفروا وقالوا سلنا غيرها قال صلى الله عليه وسلم: «لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدِي مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا» فَقَامُوا مِنْ عِنْدِهِ غِضَابًا وقالوا والله لنشتمك وَإِلَهَكَ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ ورواه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَزَادَ فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمه إلى قوله لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَأَبَى وَقَالَ بَلْ عَلَى دِينِ الْأَشْيَاخِ وَنَزَلَتْ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:
٥٦].
قال أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ «١» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رجل قال فخشي أبو جهل لعنه الله إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ أَيِ ابن أخي ما بال قومك يشكونك ويزعمون أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ وَتَقُولُ وَتَقُولُ؟ قَالَ وَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ» ففزعوا لكلمته ولقوله فقال القوم كَلِمَةً وَاحِدَةً نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا فَقَالُوا وَمَا هِيَ؟ وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يا ابن أخي؟ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ قَالَ وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قوله بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ لفظ أبي كريب.
(١) تفسير الطبري ١٠/ ٥٥٠- ٥٥١.
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «١» وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبَّادٍ غَيْرِ مَنْسُوبٍ بِهِ نَحْوَهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا كُلُّهُمْ فِي تَفَاسِيرِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ الْكُوفِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ.
وَقَوْلُهُمْ مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ أَيْ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.
قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وأبو زَيْدٍ يَعْنُونَ دِينَ قُرَيْشٍ وَقَالَ غَيْرُهُمْ يَعْنُونَ النَّصْرَانِيَّةَ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالسُّدِّيُّ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ يَعْنِي النَّصْرَانِيَّةَ قَالُوا لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ حَقًّا لأخبرتنا بِهِ النَّصَارَى إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ كَذِبٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَخَرُّصٌ. وقولهم أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا يَعْنِي أَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَ تَخْصِيصَهُ بِإِنْزَالِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ كُلِّهِمْ كما قال فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ قال الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزُّخْرُفِ: ٣١- ٣٢] وَلِهَذَا لَمَّا قَالُوا هَذَا الَّذِي دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ فِي اسْتِبْعَادِهِمْ إِنْزَالَ الْقُرْآنِ عَلَى الرَّسُولِ مِنْ بَيْنِهِمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ أَيْ إِنَّمَا يَقُولُونَ هَذَا لِأَنَّهُمْ مَا ذَاقُوا إِلَى حِينِ قَوْلِهِمْ ذلك عذاب الله تعالى وَنِقْمَتَهُ سَيَعْلَمُونَ غِبَّ مَا قَالُوا وَمَا كَذَّبُوا بِهِ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعَّا. ثم قال تعالى مُبَيِّنًا أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي مُلْكِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ الَّذِي يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ مَا يَشَاءُ وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُنَزِّلُ الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَخْتِمُ عَلَى قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ فَلَا يَهْدِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ إِلَيْهِمْ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمُلْكِ وَلَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَمَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَيِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ الْوَهَّابِ الَّذِي يُعْطِي مَا يُرِيدُ لِمَنْ يُرِيدُ، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تَعَالَى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً [النساء: ٥٣- ٥٥] وقوله تَعَالَى: قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً [الْإِسْرَاءِ: ١٠٠] وَذَلِكَ بَعْدَ الْحِكَايَةِ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ أنكروا بعثة الرسول البشري ﷺ وكما أخبر عز وجل عن قوم
(١) المسند ١/ ٣٦٢.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ : المقبول قولهم، محرضين قومهم على التمسك بما هم عليه من الشرك. ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ أى : استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردكم عنها راد، ولا يصدنكم عن عبادتها، صاد. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي جاء به محمد، من النهي عن عبادتها ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي : يقصد، أي : له قصد ونية غير صالحة في ذلك، وهذه شبهة لا تروج إلا على السفهاء، فإن من دعا إلى قول حق أو غير حق، لا يرد قوله بالقدح في نيته، فنيته وعمله له، وإنما يرد بمقابلته بما يبطله ويفسده، من الحجج والبراهين، وهم قصدهم، أن محمدا، ما دعاكم إلى ما دعاكم، إلا ليرأس فيكم، ويكون معظما عندكم، متبوعا.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١ - ١١} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ * أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ * أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ * جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾.
هذا بيان من الله تعالى لحال القرآن، وحال المكذبين به معه ومع من جاء به، فقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: ذي القدر العظيم والشرف، المُذَكِّرِ للعباد كل ما يحتاجون إليه من العلم، بأسماء الله وصفاته وأفعاله، ومن العلم بأحكام الله الشرعية، ومن العلم بأحكام المعاد والجزاء، فهو مذكر لهم في أصول دينهم وفروعه.
وهنا لا يحتاج إلى ذكر المقسم عليه، فإن حقيقة الأمر، أن المقسم به وعليه شيء واحد، وهو هذا القرآن، الموصوف بهذا الوصف الجليل، فإذا كان القرآن بهذا الوصف، علم ضرورة العباد إليه، فوق كل ضرورة، وكان الواجب عليهم تَلقِّيه بالإيمان والتصديق، والإقبال على استخراج ما يتذكر به منه.
فهدى الله من هدى لهذا، وأبى الكافرون به وبمن أنزله، وصار معهم ﴿عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ عزة وامتناع عن الإيمان به، واستكبار وشقاق له، أي: مشاقة ومخاصمة في رده وإبطاله، وفي القدح بمن جاء به.
فتوعدهم بإهلاك القرون الماضية المكذبة بالرسل، وأنهم حين جاءهم الهلاك، نادوا واستغاثوا في صرف العذاب عنهم ولكن ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أى: وليس الوقت، وقت خلاص مما وقعوا فيه، ولا فرج لما أصابهم، فَلْيَحْذَرْ هؤلاء أن يدوموا على عزتهم وشقاقهم، فيصيبهم ما أصابهم.
-[٧١٠]-
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: عجب هؤلاء المكذبون في أمر ليس محل عجب، أن جاءهم منذر منهم، ليتمكنوا من التلقي عنه، وليعرفوه حق المعرفة، ولأنه من قومهم، فلا تأخذهم النخوة القومية عن اتباعه، فهذا مما يوجب الشكر عليهم، وتمام الانقياد له.
ولكنهم عكسوا القضية، فتعجبوا تعجب إنكار وَقَالُوا من كفرهم وظلمهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾
وذنبه -عندهم- أنه ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أى: كيف ينهى عن اتخاذ الشركاء والأنداد، ويأمر بإخلاص العبادة لله وحده. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي جاء به ﴿لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي: يقضي منه العجب لبطلانه وفساده.
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ﴾ المقبول قولهم، محرضين قومهم على التمسك بما هم عليه من الشرك. ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ أى: استمروا عليها، وجاهدوا نفوسكم في الصبر عليها وعلى عبادتها، ولا يردكم عنها راد، ولا يصدنكم عن عبادتها، صاد. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي جاء به محمد، من النهي عن عبادتها ﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: يقصد، أي: له قصد ونية غير صالحة في ذلك، وهذه شبهة لا تروج إلا على السفهاء، فإن من دعا إلى قول حق أو غير حق، لا يرد قوله بالقدح في نيته، فنيته وعمله له، وإنما يرد بمقابلته بما يبطله ويفسده، من الحجج والبراهين، وهم قصدهم، أن محمدا، ما دعاكم إلى ما دعاكم، إلا ليرأس فيكم، ويكون معظما عندكم، متبوعا.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ القول الذي قاله، والدين الذي دعا إليه ﴿فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ أي: في الوقت الأخير، فلا أدركنا عليه آباءنا، ولا آباؤنا أدركوا آباءهم عليه، فامضوا على الذي مضى عليه آباؤكم، فإنه الحق، وما هذا الذي دعا إليه محمد إلا اختلاق اختلقه، وكذب افتراه، وهذه أيضا شبهة من جنس شبهتهم الأولى، حيث ردوا الحق بما ليس بحجة لرد أدنى قول، وهو أنه قول مخالف لما عليه آباؤهم الضالون، فأين في هذا ما يدل على بطلانه؟.
﴿أَءُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: ما الذي فضله علينا، حتى ينزل الذكر عليه من دوننا، ويخصه الله به؟ وهذه أيضا شبهة، أين البرهان فيها على رد ما قاله؟ وهل جميع الرسل إلا بهذا الوصف، يَمُنُّ الله عليهم برسالته، ويأمرهم بدعوة الخلق إلى الله، ولهذا، لما كانت هذه الأقوال الصادرة منهم لا يصلح شيء منها لرد ما جاء به الرسول، أخبر تعالى من أين صدرت، وأنهم ﴿فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ ليس عندهم علم ولا بينة.
فلما وقعوا في الشك وارتضوا به، وجاءهم الحق الواضح، وكانوا جازمين بإقامتهم على شكهم، قالوا ما قالوا من تلك الأقوال لدفع الحق، لا عن بينة من أمرهم، وإنما ذلك من باب الائتفاك منهم.
ومن المعلوم، أن من هو بهذه الصفة يتكلم عن شك وعناد، إن قوله غير مقبول، ولا قادح أدنى قدح في الحق، وأنه يتوجه عليه الذم واللوم بمجرد كلامه، ولهذا توعدهم بالعذاب فقال: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: قالوا هذه الأقوال، وتجرأوا عليها، حيث كانوا ممتعين في الدنيا، لم يصبهم من عذاب الله شيء، فلو ذاقوا عذابه، لم يتجرأوا.
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ فيعطون منها من شاءوا، ويمنعون منها من شاءوا، حيث قالوا: ﴿أَءُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أي: هذا فضله تعالى ورحمته، وليس ذلك بأيديهم حتى يتحجروا على الله.
﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بحيث يكونون قادرين على ما يريدون. ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ﴾ الموصلة لهم إلى السماء، فيقطعوا الرحمة عن رسول الله، فكيف يتكلمون، وهم أعجز خلق الله وأضعفهم بما تكلموا به؟! أم قصدهم التحزب والتجند، والتعاون على نصر الباطل وخذلان الحق؟ وهو الواقع فإن هذا المقصود لا يتم لهم، بل سعيهم خائب، وجندهم مهزوم، ولهذا قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ﴾
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٥ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان معاني القرآن — الفراء غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْمَلَأُ
الأَشْرَافُ، وَكِبَارُ القَوْمِ.
امْشُوا
اسْتَمِرُّوا عَلَى دِينِكُمْ، وَشِرْكِكُمْ.
لَشَيْءٌ يُرَادُ
مُدَبَّرٌ يُقْصَدُ مِنْهُ التَّرَؤُسُ، وَالسِّيَادَةُ.

إعراب الآية ٦ من سورة ص

من كتاب: إعراب القرآن

على مذهب سيبويه في إجازته مثله. والتقدير الآخر «العاطفونه» على أن الهاء لبيان الحركة، كما تقول: مر بنا المسلمونه، في الوقف ثم أجريت في الوصل مجراها في الوقف. كما قرأ أهل المدينة ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ [الحاقة: ٢٩].
وأما البيت الثاني فلا حجّة له فيه لأنه يوقف عليه ولات أوان غير أنّ فيه شيئا مشكلا لأنه روي «ولات أوان» بالخفض، وإنما يقع ما بعد لات مرفوعا ومنصوبا، وإن كان قد روي عن عيسى بن عمر أنه قرأ ولات حين مناص «١» بكسر التاء من «لات» والنون من «حين» فإن الثّبت عنه أنه قرأ وَلاتَ حِينَ مَناصٍ فبنى لات على الكسر ونصب حين فأما «ولات أوان» ففيه تقديران: قال الأخفش: فيه مضمر أي ولات حين أوان.
قال أبو جعفر: وهذا القول بيّن الخطأ، والتقدير الآخر عن أبي إسحاق، قال تقديره:
ولات حين أواننا فحذف المضاف إليه فوجب ألّا يعرب فكسره لالتقاء الساكنين، وأنشد محمد بن يزيد «ولات أوان» بالرفع.
وأما البيت فبيت مولّد لا يعرف قائله، ولا يصح به حجّة على أن محمد بن يزيد رواه «كما زعمت الآن» وقال غيره: المعنى كما زعمت أنت الآن، فأسقط الهمزة من أنت والنون. وأما احتجاجه بحديث عبد الله بن عمر لما ذكر للرجل مناقب عثمان رضي الله عنه. قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، فلا حجّة فيه لأن المحدّث إنما يروي هذا على المعنى، والدليل على هذا أنّ مجاهدا روى عن عمرو بن عمر هذا الحديث، وقال فيه: اذهب فاجهد جهدك، ورواه آخر اذهب بها الآن معك فأمّا احتجاجه بأنه وجدها في الإمام «تحين» فلا حجة فيه لأن معنى الإمام أنه إمام للمصاحف فإن كان مخالفا لها فليس بإمام لها، وفي المصاحف كلّها ولات. فلو لم يكن في هذا إلّا هذا الاحتجاج لكان مقنعا. وجمع مناص مناوص.

[سورة ص (٣٨) : آية ٥]

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥)
وَعَجِبُوا أَنْ في موضع نصب، والمعنى من أن جاءهم.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً مفعولان.

[سورة ص (٣٨) : آية ٦]

وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦)
وَانْطَلَقَ في موضع نصب، والمعنى: بأن امشوا. والْمَلَأُ الأشراف، وقد سمّوا، في رواية محمد بن إسحاق، أنهم أبو جهل بن هشام وشيبة وعتبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وأميّة بن خلف والعاصي بن وائل وأبو معيط جاءوا إلى أبي طالب، فقالوا
(١) انظر البحر المحيط ٧/ ٣٦٨.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

الموضوعات القرآنية للآية ٦ من سورة ص

موضوعانِ تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

١٠ أقوال من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

٥ أقوال
١
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-: أنّ ناسًا مِن قريش اجتمعوا، فيهم أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، في نفرٍ مِن مشيخة قريش، فقال بعضُهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلمه فيه، فلْيُنصِفْنا منه، فيأمره فلْيَكُفَّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلَهَه الذي يعبد؛ فإنّنا نخاف أن يموت هذا الشيخُ فيكون مِنّا شيءٌ، فتُعَيِّرنا العرب؛ يقولون: تركوه حتى إذا مات عمُّه تناولوه. فبعثوا رجلًا منهم يسمى: المطلب، فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك. قال: أدْخِلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصِفْنا مِن ابن أخيك، فمُره فليكفَّ عن شتم آلهتنا، وندعه وإلَهَه. فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم، قد سألوك النصَف؛ أن تكفَّ عن شتم آلهتهم، ويدَعُوك وإلهك. فقال: «أي عمِّ، أوَلا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟». قال: وإلامَ تدعوهم؟ قال: «أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم». فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي؟ وأبيك، لنعطينكها وعشر أمثالها. قال: «تقول: لا إله إلا الله». فنفروا، وقالوا: سَلنا غير هذه. قال: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها». فغضبوا وقاموا مِن عنده غضابًا، وقالوا: واللهِ، لنشتمنك وإلهك الذي يأمرك بهذا. ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ أنِ امْشُوا﴾ إلى قوله: ﴿اخْتِلاقٌ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٣ مرسلًا. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن مقاتل بن سليمان، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٣٥-٦٣٦. وسيأتي بنصه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ أنِ امْشُوا﴾.
٣
عن محمد بن إسحاق، نحو ذلك، وزاد في آخره: وكان ممشاهم إلى أبي طالب لما لقوا من عمر، وسمعوا منه١
التخريج
  1. ١سيرة ابن إسحاق ص٢٢٠-٢٢١، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٦٦‏/‏٣٢٠. والمراد بقوله: «لما لقوا من عمر، وسمعوا منه» أي: بعد ما أسلم.
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ الآية، قال: نزلت حين انطلق أشرافُ قريش إلى أبي طالب، فكلَّموه في النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢٤-٢٥، من طريق محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه عطية العوفي، عن ابن عباس به. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: لَمّا مرض أبو طالب دخل عليه رهطٌ من قريش، فيهم أبو جهل، فقالوا: إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثتَ إليه فنهيتَه. فبعث إليه، فجاء النبيُّ ﷺ، فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدْر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى أبي طالب أن يكون أرقَّ عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قُرب عمِّه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بالُ قومك يشكونك؟ يزعمون أنّك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول! قال: وأكثروا عليه مِن القول. وتكلَّم رسول الله ﷺ، فقال: «يا عمِّ، إنِّي أُريدهم على كلمةٍ واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية». ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟! نعم، وأبيك، عشرًا. قالوا: فما هي؟ قال: «لا إله إلا الله». فقاموا فَزِعِين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا، إن هذا لشيء عجاب! فنزل فيهم: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٤٥٨ (٢٠٠٨)، ٥‏/‏٣٩٣-٣٩٤ (٣٤١٩)، والترمذي ٥‏/‏٤٤١-٤٤٢ (٣٥١٢)، وابن حبان ١٥‏/‏٧٩-٨٠ (٦٦٨٦)، والحاكم ٢‏/‏٤٦٩ (٣٦١٧)، وابن جرير ٢٠‏/‏١٩. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه».

تفسير

٥ أقوال
١
عن أبي مجلز لاحق بن حميد، قال: قال رجل يوم بدر: ما هم إلا النساء. قال رسول الله ﷺ: «بل هم الملأ». وتلا: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٢
عن عبد الله بن عباس، ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾، قال: أبو جهل١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
٣
عن مجاهد بن جبر -من طريق إبراهيم بن مهاجر- في قوله: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ أنِ امْشُوا واصْبِرُوا﴾، قال: هو عقبة بن أبي مُعَيْط١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٠‏/‏٢١. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢٠/٢١) غير قول مجاهد.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾ وهم سبعة وعشرون رجلًا، والملأ في كلام العرب: الأشراف ﴿مِنهُمْ﴾ الوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وأمية وأُبَيّ ابنا خلف... وغيرهم، فقال الوليد بن المغيرة: ﴿أنِ امْشُوا﴾ إلى أبي طالب، ﴿واصْبِرُوا﴾ واثبتوا على عبادة ﴿آلِهَتِكُمْ﴾ -نظيرها في الفرقان [٤٢]: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ يعني: ثبتنا، فقال الله عز وجل في الجواب: ﴿فَإنْ يَصْبِرُوا فالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٤]-، فمشوا إلى أبي طالب، فقالوا: أنت شيخُنا وكبيرُنا وسيدُنا في أنفسنا، وقد رأيتَ ما فَعَلَتِ السفهاءُ، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبي ﷺ، فأتاه، فقال أبو طالب: هؤلاء قومك، يسألونك السواء، فلا تمِل كلَّ الميل على قومك. فقال النبي ﷺ: «وماذا يسألوني؟». قالوا: ارفضْ ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال النبي ﷺ لهم: «أعطوني أنتم كلمةً واحدة تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم». فقال أبو جهل: لله أبوك، لَنُعْطِيَنَّكَها وعشرًا معها. فقال النبي ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله». فنفروا من ذلك، فقاموا، فقالوا: ﴿أجَعَلَ﴾ يعني: وصف محمد ﴿الآلِهَةَ إلهًا واحِدًا إنَّ هذا﴾ الذي يقول ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ يعني: لأمر عجب -بلغة أزد شنوءة- أن تكون الآلهة واحدًا، ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ﴾ الأمر ﴿يُرادُ﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٣‏/‏٦٣٥-٦٣٦.
تعليقات المحققين
  1. ٢علّق ابنُ عطية (٧/٣٢٥-٣٢٦) على ما جاء في هذا القول، فقال: «فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ﴾ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب، وانطلاقهم من ذلك الجمع، هذا قول جماعة من المفسرين». ثم ذكر قولًا آخر وعلّق عليه، فقال: «وقالت فرقة: هي عبارة عن إذاعتهم لهذه الأقاويل، فكأنه كما يقول الناس: انطلق الناس بالدعاء للأمير ونحوه، أي: استفاض كلامهم بذلك». وذكر ابنُ عطية في قوله: ﴿أن امشوا﴾ أن معناه: «سيروا على طريقتكم ودوموا على سيركم، أو يكون المعنى: أمر من نقل الأقدام، قالوه عند انطلاقهم». وذكر قولًا لم ينسبه لأحد من السلف أن معنى ذلك: «دعاء بكسب الماشية». وانتقده مستندًا إلى اللغة، وظاهر الآية بقوله: «وفي هذا ضعف؛ لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطوعة، لأنه إنما يقال: أمشى الرجلُ؛ إذا صار صاحب ماشية، وأيضًا فهذا المعنى غير متمكن في الآية».
٥
قال سفيان الثوري: ﴿المَلَأُ مِنهُمْ﴾ عقبة بن أبي مُعيط١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري (٢٥٦).
التفسير بالمأثور لسورة ص كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ٦ من سورة ص

١١ وقفةً في هذه الآية

  • "إن هذا لشيء يراد" رد الحق باتهام جهات مجهولة الكنه بالمؤامرة ضد الاستقرار والوحدة والسيرة الأولى.. تهمة تتوارثها أمم الكفر.

    — علي الفيفي

  • "وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ" الصبر والنضال ومواصلة الكفاح لا تعني أن المناضلين على حق دوما.

    — عبدالله بلقاسم

  • "وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ....." الصبر مجردًا ليس محمودًا، إنما الصبر على الحق ومن أجله.

    — عبدالله بلقاسم

  • صبر الكفار على معبوداتهم غريب! (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم)..

    — خباب مروان الحمد

  • (إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا)، (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ) انظر كيف يتصبر أهل الباطل على باطلهم! فما بال بعض أهل الحق لا يصبرون؟

    — عبدالمحسن المطيري

  • (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) أي: له قصد ونية غير صالحة، وهذه شبهة لا تروج إلا على السفهاء؛ فإن من دعا إلى قول حق أو غير حق، لا يرد قوله بالقدح في نيته، وإنما يرد بمقابلته بما يبطله بالحجج والبراهين.

    — تفسير السعدي

  • ليدبروا آياته (وانطلق الملاء منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم..) عار أن يصبر أهل الباطل على باطلهم ويضحون فى سبيله و يجزع حملة لواء الحق ويبخل عشاق الجنة..

    — خالد أبو شادي

  • ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم﴾ يتواصون ويثبت بعضهم بعضا وهم على باطل؛ ثم نجد في صفوف أهل الحق من يُخذل ويُثبط!

    — ماجد الجاسر

  • يسعى رؤوس الشر وزعماء الباطل في إضلال الناس وصرفهم عن الحق الملأ﴿وٱنطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم)

    — إبراهيم الحميضي

  • ليس كل صبر محمود بل منه ما يردي غاية الردى فتفقد صبرك .. (واصبروا على آلهتكم)!!

    — مجالس التدبر

  • [ ليدبروا آياته ] ‏( وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ‏ وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ..) ‏ ‏عارٌ أن يصبر أهل الباطل على ‏ باطلهم ويضحون في سبيله. ‏ ‏ بينما يجزع حملة لواء الحق ‏. ويبخل عُشَّاق الجنة. ‏

    — خالد أبو شادي

ترجمات معاني الآية ٦ من سورة ص

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(6) And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.[1318]
[1318]- Planned by Prophet Muḥammad (ﷺ) in order to gain influence and prestige for himself.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال