التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم صور - سبحانه - حرصهم على صرف الناس عن دعوة الحق. تصويرا بديعا، فقال :﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ﴾، أى : وانطلق الأشراف فى قريش عن مجلس أبى طالب، بعد أن سمعوا من الرسول ﷺ ما أغضبهم وخيب آمالهم. انطلقوا يقولون : أن امشوا فى طريقهم التى كان عليها آباؤكم واصبروا على عبادة آلهتكم مهما هوَّن محمد ﷺ من شأنها، ومهما نهى عن عبادتها.
﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أى : إن هذا الذى يدعونا إليه محمد ﷺ من عبادة الله - تعالى - وحده وترك عبادة آلهتنا لشئ يراد من جهته هو، وهو مصمم عليه كل التصميم، ونحن من جانبنا يجب أن نقابل تصميمه على دعوته، بتصميم منا على عبادة آلهتنا.
وعلى هذا المعنى تكون الإِشارة هنا عائدة إلى ما يدعوهم إليه النبى ﷺ من عبادة الله وحده.
ويصح أن تكون الإِشارة إلى دينهم هم، فيكون المعنى : إن هذا الدين الذى نحن عليه لشئ يراد لنا، وقد وجدنا عليه آباءنا، وما دام الأمر كذلك فلن نتركه مهما كرَّهنَا فيه محمد ﷺ.
قال الآلوسى : قوله :﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ تعليل للأمر بالصبر، والإِشارة إلى ما وقع وشاهدوه من أمر النبى ﷺ وتصلبه فى أمر التوحيد، ونفى ألوهية آلهتهم.. أى : إن هذا لشئ عظيم يراد به من جهته ﷺ إمضاؤه وتنفيذه. فاقطعوا أطماعكم عن استنزاله إلى إرادتكم، واصبرو على عبادة آلهتكم. وقيل : إن هذا الأمر لشئ من نوائب الدهر يراد بنا، فلا حيلة إلا تجرع مرارة الصبر. وقيل : إن هذا - أى : دينكم - يُطلب لينتزع منكم ويطرح ويراد إبطاله..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى