الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ﴾ الآية، " رُوِيَ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ، أنَّ أشْرَافَ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبي طالبٍ، وقالوا : إن مِنَ القبيحِ علينا أن يموتَ أبو طالب، ونُؤْذِيَ محمَّداً بَعْدَهُ، فتقولُ العربُ : تركُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ، فَلَمَّا مَاتَ آذَوْهُ، ولكن لِنذهبْ إلى أبي طالب فَيُنْصِفَنَا مِنْهُ ويَرْبِطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ رَبْطاً، فَنَهَضُوا إليه، فقالوا : يا أبا طالب : إن محمداً يَسُبُّ آلهتَنا، ويُسَفِّهُ آراءنا، ونحنُ لا نُقَارُّهُ على ذلك، ولكن افْصِلْ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ في حياتِكَ ؛ بأن يُقِيمَ في منزلهِ يَعْبُدُ ربَّهُ الذي يَزْعُمُ ويدعُ آلهتنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لأحَدٍ منا بشيْءٍ من هذا، فبعث أبو طالب إلى النبي ﷺ فقال : يا محمَّدُ، إن قومَكَ قَد دَعَوْكَ إلى النَّصَفَةِ، وهِيَ أن تَدَعَهُمْ وتَعْبُدَ رَبَّكَ وَحْدَكَ، فَقال : أوَ غَيْرَ ذلكَ يا عَمُّ ؟ قال : وما هو ؟ قال : يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وَتُؤَدِّي إلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ بِهَا العَجَمُ، قَالُوا : وَمَا هِيَ ؟ ! فَإنَّا نُبَادِرُ إلَيْهَا ! قَالَ :«لاَ إله إلاَّ اللَّهُ » ؛ فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالُوا : مَا يُرْضِيكَ مِنَّا غَيْرُ هذا ؟ قال :«واللَّهِ، لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي الأَرْضَ ذَهَبَاً وَمَالاً » " وفي روايةِ " لَوْ جَعَلْتُمُ الشَّمْسَ فِي يَمِينِي والقَمَرَ فِي شِمَالِي مَا أرضى مِنْكُمْ غَيْرُهَا " فَقَامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ :﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، ويُرَدِّدُونَ هذا المعنى، وعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ يقولُ :﴿امشوا وَاْصْبِرُواْ على آلِهَتِكُمْ﴾، فقوله تعالى :﴿وانطلق الملأ﴾ عبارةٌ عن خروجِهم عَن أبي طالبٍ وانطلاقِهِمْ من ذلكَ الجَمْعِ، هذا قولُ جماعةٍ من المفسِّرين.
وقوله :﴿أَنِ امشوا﴾ نَقَلَ الإمامُ الفخرُ أَنَّ ﴿أنْ﴾ بمعنى :«أي »، انتهى، وقولهم :﴿إِنَّ هذا لَشَيء يُرَادُ﴾ يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي : يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعاً.
وقوله :﴿أَنِ امشوا﴾ نَقَلَ الإمامُ الفخرُ أَنَّ ﴿أنْ﴾ بمعنى :«أي »، انتهى، وقولهم :﴿إِنَّ هذا لَشَيء يُرَادُ﴾ يريدون ظهورَ محمَّدٍ وعلوَّه، أي : يُرادُ مِنَّا الانقيادُ لَه، وأنْ نكونَ له أتْبَاعاً.