البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وانطلق الملأ منهم﴾ : الظاهر انطلاقهم عن مجلس أبي طالب، حين اجتمعوا هم والرسول عنده وشكوه على ما تقدّم في سبب النزول ؛ ويكون ثم محذوف تقديره : يتحاورون.
﴿أن امشوا﴾، وتكون أن مفسرة لذلك المحذوف، وامشوا أمر بالمشي، وهو نقل الأقدام عن ذلك المجلس.
وقال الزمخشري : وأن بمعنى أي، لأن المنطلقين عن مجلس التقاول لا بد لهم من أن يتكلموا ويتفاوضوا فيما جرى لهم، فكان انطلاقهم مضمناً معنى القول والأمر بالمشي، أي بعضهم أمر بعضاً.
وقيل : أمر الأشراف أتباعهم وأعوانهم.
ويجوز أن تكون أن مصدرية، أي وانطلقوا بقولهم امشوا، وقيل : الانطلاق هنا الاندفاع في القول والكلام، وأن مفسرة على هذا، والأمر بالمشي لا يراد به نقل الخطا، إنما معناه : سيروا على طريقتكم ودوموا على سيرتكم.
وقيل :﴿امشوا﴾ دعاء بكسب الماشية، قيل : وهو ضعيف، لأنه كان يلزم أن تكون الألف مقطوعة، لأنه إنما يقال : أمشي الرجل إذا صار صاحب ماشية ؛ وأيضاً فهذا المعنى غير متمكن في الآية.
وقال الزمخشري : ويجوز أنهم قالوا : امشوا، أي أكثروا واجتمعوا، من مشت المرأة إذا كثرت ولادتها ؛ ومنه الماشية للتفاؤل. انتهى.
وأمروا بالصبر على الآلهة، أي على عبادتها والتمسك بها.
والإشارة بقوله :﴿إن هذا﴾ أي ظهور محمد ﷺ، وعلوه بالنبوة، ﴿لشيء يراد﴾ : أي يراد منا الانقياد إليه، أو يريده الله ويحكم بإمضائه، فليس فيه إلا الصبر، أو أن هذا الأمر شيء من نوائب الدهر مراد منا، فلا انفكاك عنه، وأن دينكم لشيء يراد، أي يطلب ليؤخذ منكم وتغلبوا عليه، احتمالات أربعة.
وقال القفال : هذه كلمة تذكر للتهديد والتخويف، المعنى : أنه ليس غرضه من هذا القول تقرير للدين، وإنما غرضه أن يستولي علينا، فيحكم في أموالنا وأولادنا بما يريد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى