اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿أَن تَسْجُدَ﴾ قد يستدل به من يرى أن «لا » في «أنْ لا تَسْجُدَ » في السورة الأخرى زائدة، حيث سقطت هنا والقصة واحدة. وقوله :﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ قد يستدل به من يرى جواز وقوع «ما » على العاقل ؛ لأن المراد به آدم، وقيل : لا دليل فيه لأنه كان فَخَّاراً غير جسم حسَّاسٍ فأشير إليه في تلك الحالة. وهذا ليس بشيء ؛ لأن هذا الخطاب إنما كان بعد نَفْخ الرُّوح فيه لقوله :﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].
فلما امتنع من السجود قال :﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وقيل : ما مصدرية والمصدر غير مراد فيكون واقعاً موقع المفعول به أي لمخْلُوقي. وقرأ الجّحْدريّ «لَمَّا » بتشديد الميم وفتح اللام وهي «لَمَّا » الظرفية عند الفارسيِّ، وحرف وجوب لوجوب عند سيبَويْهِ. والمسجود له على هذا غير مذكور ؛ أي ما منعك من السجود لَمَّا خلقتُ أي حين خلقتُ لمن أمرتك بالسجود له.
قرئ :«بِيدَيِّ » بكسر الياء كقراءة حمزة :﴿بِمُصْرِخِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وتقدم ما فيها وقرى : بِيَدِي بالإفراد.
قوله :﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ قرأ العامة بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ وإنكار، و «أم » متصلة هنا، وهذا قول جمهور النَّحْويِّينَ ونقله ابنُ عطيةَ عن بعض النحويين أنها لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين وإنما تكون معادلة إذا دخلتا على فعل واحد كقولك : أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو، وأزيدٌ قَامَ أمْ عمرٌو، وإذا اختلف الفعلان كهذه الآية فليست معادلةً. وهذا الذي حكاه عن بعض النحاة مذهب فاسد بل جمهور النحاة على خلافه. قال سيبويه : وتقول : أَضَرَبْتَ زيداً أمْ قَتَلْتَهُ، فالبداءَةُ هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحَدِهما لا تدري أيُّهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت : أيّ ذلك كان. انتهى، فعادل بها الألف مع اختلاف الفعلين، وقرأ جماعة منهم ابنُ كَثيرٍ- وليست مشهورةً عنه - اسْتكْبَرْتَ بألف الوصل ؛ فاحتملت وجهين :
أحدهما : أن يكون الاستفهام مراداً يدل عليه «أم » كقوله :
. . . . . . . . . . . . . . . . . .بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ
وقوله :
تَرَوَّحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ. . . . . . . . . . . . . . .
فتتفق القراءتان في المعنى، واحتمل أن يكون خبراً محضاً، وعلى هذا «فأم » منقطعة لعدم شرطها.

فصل :


المعنى استكبرت الآن أم كنت من المتكبرين أبداً أي من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم

تفسير هذه الآية من كتب أخرى