بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي
عن الكتاب
﴿قَالَ يَا إِبْلِيسَ ما منعك﴾ يعني : يا خبيث ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ يعني : الذي خلقته بيدي قال بعضهم نؤمن بهذه الآية ونقرؤها، ولا نعرف تفسيرها. يعني : قوله :﴿بِيَدَيّ﴾ يعني : الذي خلقت بيدي. وقال بعضهم : تفسيرها كما قال الله تعالى :﴿خَلَقْتَهُ بِيَدَيّ﴾. ولا نفسر اليد. ونقول : يد لا كالأيدي. وهذا قول أهل السنة والجماعة. وقال بعضهم : نفسرها بما يليق من صفات الله تعالى. يعني : خلقه بقدرته، وقوته، وإرادته. فإن قيل : قد خلق الله عز وجل سائر الأشياء بقوته، وقدرته، وإرادته. فما الفائدة في التخصيص هنا ؟ قيل له : قد ذكر اليد في خلق سائر الأشياء أيضاً، وهو قوله :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما فَهُمْ لَهَا مالكون﴾ [يس: ٧١] ويقال :﴿لِمَا خَلَقْتُ بيديّ﴾ أي : بقوتي. قوة العلم، وقوة القدرة. ويقال :﴿خَلَقْتَهُ بيديّ﴾ أي : بماء السماء، وتراب الأرض، كقوله :﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدم خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وكما قال عليه السلام :«خَلَقَ الله تَعَالَى الخَلْقَ مِنْ مَاءٍ » وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف منها ظهر وبطن. وكذلك الأخبار قد جاء فيها أيضاً ما له ظهر وبطن. وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال :«لاَ تَقُولُوا فَلاَنٌ قَبِيح فَإِن الله عز وجل خلق آدم عَلَى صُورَتِهِ ». ومن قال : إن لله تعالى صورة كصورة آدم فهو كافر، ولكن المعنى في الخبر، ما روي عن بعض المتقدمين أنه قال : إن الله تبارك وتعالى اختار من الصور صورة، وخلق آدم عليه السلام بتلك الصورة، فمن ذلك قال :«إنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوَرتِهِ » أي : على تلك الصورة التي اختارها الله. روى شبل عن ابن كثير أنه قرأ :﴿بيديّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ موصولة الألف، وقراءة العامة بقطع الألف على الاستفهام، بدليل قوله عز وجل :﴿أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ ومن قرأ موصولة، فهو على معنى الوجوب. وتكون ﴿أَمْ﴾ بمعنى بل، ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ يعني : تعظمت عن السجود ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ يعني : بل كنت من العالين، من المخالفين لأمري.