جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾.


يقول تعالى ذكره : استسَرّت وجوه الخلق، واستسلمت للحيّ القيوم الذي لا يموت، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءوا. وأصل العنو الذلّ، يقال منه : عنا وجهه لربه يعنو عنوا، يعني خضع له وذلّ، وكذلك قيل للأسير : عان لذلة الأسر. فأما قولهم : أخذت الشيء عنوة، فإنه يكون وإن كان معناه يؤول إلى هذا أن يكون أخذه غلبة، ويكون أخذه عن تسليم وطاعة، كما قال الشاعر :
هَلْ أنْتَ مُطِيعي أيّها القَلْبُ عَنْوَةًولَمْ تَلَحْ نَفْسٌ لم تلم في اخْتِيالِهَا
وقال آخر :
فَمَا أخَذُوها عَنْوَةً عَنْ مَوَدّةٍوَلَكِنْ بِحَدّ المَشْرَفِي اسْتَقالَهَا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " يقول : ذلّت.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " يعني بعنت : استسلموا لي.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ " قال : خشعت.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيْج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيّ القَيّومِ " أي ذلّت الوجوه للحيّ القيوم.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للحَيّ القَيّومِ " قال : ذلت الوجوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال : قال طلق : إذا سجد الرجل فقد عنا وجهه، أو قال : عنا.
حدثني أبو حُصَين عبد الله بن أحمد، قال : حدثنا عبثر، قال : حدثنا حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب، في هذه الآية : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " قال : هو وضع الرجل رأسه ويديه وأطراف قدميه.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب في قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " قال : وهو وضعك جبهتك وكفيك وركبتيك وأطراف قدميك في السجود.
حدثنا خلاد بن أسلم، قال : حدثنا محمد بن فضيل، عن حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب في قوله :" وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " قال : وضع الجبهة والأنف على الأرض.
حدثني يعقوب : قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا حصين، عن عمرو بن مرّة، عن طلق بن حبيب، في قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " قال : هو السجود على الجبهة والراحة والركبتين والقدمين.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : " وَعَنَتِ الوُجُوهُ للْحَيّ القَيّومِ " قال : استأسرت الوجوه للحيّ القيوم، صاروا أسارى كلهم له. قال : والعاني : الأسير.
وقد بيّنا معنى الحيّ القيوم فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقوله : " وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما " يقول تعالى ذكره : ولم يظفر بحاجته وطلبته من حَمل إلى موقف القيامة شركا بالله، وكفرا به، وعملاً بمعصيته. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : " وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما " قال : من حمل شركا.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : " وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْما " قال : من حمل شركا، الظلم هاهنا : الشرك.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى