جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾.
يقول تعالى ذكره وتقدّست أسماؤه : ومن يعمل من صالحات الأعمال، وذلك فيما قيل أداء فرائض الله التي فرضها على عباده وَهُوَ مُؤْمِنٌ يقول : وهو مصدّق بالله، وأنه مجازٍ أهل طاعته وأهل معاصيه على معاصيهم فلا يَخافُ ظُلْما يقول : فلا يخاف من الله أن يظلمه، فيحمل عليه سيئات غيره، فيعاقبه عليه وَلا هَضْما يقول : لا يخاف أن يهضمه حسناته، فينقصه ثوابها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بِشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ " وإنما يقبل الله من العمل ما كان في إيمان.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيْج، قوله : " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ " قال : زعموا أنها الفرائض. ذكر من قال ما قلنا في معنى قوله : " فَلا يَخافُ ظُلْما وَلا هَضْما " :
حدثنا أبو كريب سليمان بن عبد الجبار، قالا : حدثنا ابن عطية، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس لا يَخافُ ظُلْما وَلا هَضْما قال : هضما : غضبا.
حدثني علي، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية عن علي عن ابن عباس قال : " لاَ يَخَافُ ظُلْما وَلا هَضْما " قال : لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يظلم، فيزاد عليه في سيئاته، ولا يظلم فيهضم في حسناته.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : " وَمَنُ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْما وَلا هَضْما " يقول : أنا قاهر لكم اليوم، آخذكم بقوّتي وشدّتي، وأنا قادر على قهركم وهضمكم، فإنما بيني وبينكم العدل، وذلك يوم القيامة.
حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال : سمعت أبا مُعاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : " فَلا يَخافُ ظُلْما وَلا هَضْما " أما هضما فهو لا يقهر الرجل الرجل بقوّته، يقول الله يوم القيامة : لا آخذكم بقوّتي وشدتي، ولكن العدل بيني وبينكم، ولا ظلم عليكم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : هَضْما قال : انتقاص شيء من حقّ عمله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقيّ، قال : حدثنا أبو أسامة، عن مِسْعر، قال : سمعت حبيب بن أبي ثابت يقول في قوله : " وَلا هَضْما " قال : الهضم : الانتقاص.
حدثنا الحسن، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله : " فَلا يَخاف ظُلْما وَلا هَضْما " قال : ظلما أن يزاد في سيئاته، ولا يُهْضَم من حسناته.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : " فَلا يَخافُ ظلْما وَلا هَضْما " قال : لا يخاف أن يظلم، فلا يجزى بعمله، ولا يخاف أن ينتقص من حقه، فلا يوفى عمله.
حدثنا الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا سلام بن مسكين، عن ميمون بن سِياه، عن الحسن، في قول الله تعالى : " فَلا يَخافُ ظُلْما وَلا هَضْما " قال : لا ينتقص الله من حسناته شيئا، ولا يحمل عليه ذنب مسيء.
وأصل الهضم : النقص، يقال : هضمني فلان حقي، ومنه امرأة هضيم : أي ضامرة البطن، ومنه قولهم : قد هضم الطعام : إذا ذهب، وهَضَمْت لك من حقك : أي حططتك.