البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
عنا يعنو : ذل وخضع، وأعناه غيره أذلة.
وقال أمية بن أبي الصلت :
مليك على عرش السماء مهيمنعزته تعنو الوجوه وتسجد
والظاهر عموم ﴿الوجوه﴾ أي وجوه الخلائق، وخص ﴿الوجوه﴾ لأن آثار الذل إنما تظهر في أول ﴿الوجوه﴾.
وقال طلق بن حبيب : المراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة، فإن كان روى أن هذا يكون يوم القيامة فتكون الآية إخباراً عنه، واستقام المعنى وإن كان أراد في الدنيا فليس ذلك بملائم للآيات التي قبلها وبعدها.
وقال الزمخشري : المراد بالوجوه وجوه العصاة وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة الخيبة والشقوة وسوء الحساب صارت وجوههم عانية أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العناة وهم الأسارى ونحوه ﴿فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا﴾ ﴿ووجوه يومئذ باسرة﴾ و ﴿القيوم﴾ تقدم الكلام عليه في البقرة.
﴿وقد خاب﴾ أي لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل حامل بقدر ما حمل من الظلم، فخيبة المشرك دائماً وخيبة المؤمن العاصي مقيدة بوقت في العقوبة إن عوقب.
ولما خص الزمخشري الوجوه بوجوه العصاة قال في قوله ﴿وقد خاب من حمل ظلماً﴾ أنه اعتراض كقولك : خابوا وخسروا حتى تكون الجملة دخلت بين العصاة وبين من يعمل من الصالحات، فهذا عنده قسيم ﴿وعنت الوجوه﴾.
وأما ابن عطية فجعل قوله ﴿ومن يعمل﴾ - إلى - ﴿هضماً﴾ معادلاً لقوله ﴿وقد خاب من حمل ظلماً﴾ لأنه جعل ﴿وعنت الوجوه﴾ عامة في وجوه الخلائق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى