إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ﴾ شروعٌ في بيان المعهودِ وكيفيةِ ظهور نسيانِه وفُقدانِ عزمِه، وإذ منصوبٌ على المفعولية بمضمر خوطب به النبيُّ عليه الصلاة والسلام، أي واذكر وقتَ قولِنا لهم، وتعليقُ الذكر بالوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما وقع فيه من الحوادث لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها فإن الوقتَ مشتملٌ على تفاصيل الأمورِ الواقعةِ فيه، فالأمرُ بذكره أمرٌ بذكر تفاصيلِ ما وقع فيه بالطريق البرهانيِّ، ولأن الوقتَ مشتملٌ على أعيان الحوادثِ فإذا ذكر صارت الحوادثُ كأنها موجودةٌ في ذهن المخاطَبِ بوجود ذاتها العينيةِ، أي اذكر ما وقع في ذلك الوقتِ منا ومنه حتى يتبينَ نسيانُه وفقدانُ عزمِه ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ قد سبق الكلامُ فيه مراراً ﴿أبى﴾ جملةٌ مستأنفةٌ وقعت جواباً عن سؤال نشأ عن الأخبار بعدم سجودِه، كأنه قيل : ما بالُه لم يسجُدْ ؟ فقيل : أبى واستكبر، ومفعول أبى إما محذوفٌ أي أبى السجودَ كما في قوله تعالى :﴿أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ أو غيرُ مَنْويَ رأساً بتنزيله منزلةَ اللام أي فعل الإباءَ وأظهره.