روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿وَأَنَا اخترتك﴾ أي اصطفيتك من الناس أو من قومك للنبوة والرسالة. وقرأ السلمي. وابن هرمز. والأعمش في رواية ﴿وَأَنَا﴾ بكسر الهمزة وتشديد النون مع ألف بعدها ﴿اخترناك﴾ بالنون والألف، وكذا قرأ طلحة. وابن أبي ليلى. وحمزة. وخلف. والأعمش في رواية أخرى إلا أنهم فتحوا همزة إن، وذلك بتقدير أعلم أي وأعلم أنا اخترناك، وهو على ما قيل عطف على ﴿اخلع﴾ [طه: ١٢]، ويجوز عند من قرأ ﴿إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢] بالفتح أن يكون العطف عليه سواء كان متعلقاً بنودي كما قيل أو معمولاً لا علم مقدراً كما أختير.
وجوز أبو البقاء أن يكون بتقدير اللام وهو متعلق بما بعده أي لأنا اخترناك ﴿فاستمع﴾ وهو كما ترى، والفاء في قوله تعالى :﴿فاستمع﴾ لترتيب الأمر والمأمور به على ما قبلها فإن اختياره عليه السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله سبحانه :﴿لِمَا يُوحَى﴾ متعلقة باستمع، وجوز أن تكون متعلقة باخترناك، ورده أبو حيان بأنه يكون حينئذٍ من باب الأعمال ويجب أو يختار حينئذٍ إعادة الضمير مع الثاني بأن يقال : فاستمع له لما يوحى.
وأجيب بأن المراد جواز تعلقها بكل من الفعلين على البدل لا على أنه من الأعمال. واعترض على هذا بأن قوله تعالى :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ومن باب الإشارة : ومنها أنه تعالى افتتح الخطاب بقوله عز قائلاً :﴿وَأَنَا اخترتك﴾ [طه: ١٣] وهو غاية اللطف وختم الكلام بقوله جل وعلا :﴿فَلاَ يَصدّنكَ عَنْهَا﴾ - إلى - ﴿فتردى﴾ [طه: ١٦] وهو قهر تنبيها على أن رحمته سبقت غضبه وأن العبد لا بد أن يكون سلوكه على قدمي الرجاء والخوف، ومنها أن موسى عليه السلام كان في رجله شيء وهو النعل وفي يده شيء وهو العصا والرجل آلة الهرب واليد آلة الطلب فأمر بترك ما فيهما تنبيها على أن السالك ما دام في مقام الطلب والهرب كان مشتغلاً بنفسه وطالباً لحظه فلا يحصل له كمال الاستغراق في بحر العرفان وفيه أن موسى عليه السلام مع جلالة منصبه وعلو شأنه لم يمكن لو الوصول إلى حضرة الجلال حتى خلع النعل وألقى العصا فأنت مع ألف وقر من المعاصي كيف يمكنك الوصول إلى جنابه وحضرته جل جلاله. واستشكلت هذه الآية من حيث أنها تدل على أن الله تعالى خاطب موسى عليه السلام بلا واسطة وقد خاطب نبينا ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام فيلزم مزيه الكليم على الحبيب عليهما الصلاة والسلام. والجواب أنه تعالى شأنه قد خاطب نبينا ﷺ أيضاً بلا واسطة ليلة المعراج غاية ما في البال أنه تعالى خاطب موسى عليه السلام في مبدأ رسالته بلا واسطة وخاطب حبيبه عليه الصلاة والسلام في مبدأ رسالته بواسطة ولا يثبت بمجرد ذلك المزية على أن خطابه لحبيبه الأكرم ﷺ بلا واسطة كان مع كشف الحجاب ورؤيته عليه الصلاة والسلام إياه على وجه لم يحصل لموسى عليه السلام وبذلك يجبر ما يتوهم في تأخير الخطاب بلا واسطة عن مبدى الرسالة.
وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى : عن نبينا ﷺ :﴿مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى﴾ [النجم: ١٧] وقوله عن موسى عليه السلام :﴿قال هي عصاي﴾ [طه: ١٨] الخ ترى الفرق واضحاً بين الحبيب والكليم مع أن لكل رتبة التكريم ﷺ.
وذكر بعضهم أن في الآيات ما يشعر بالفرق بينهما أيضاً عليهما الصلاة والسلام من وجه آخر وذلك أن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا والنبي ﷺ كان يتكل على فضل الله تعالى ورحمته قائلاً مع أمته وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولذا ورد في حقه ﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤] على معنى وحسب من اتبعك. وأيضاً إنه عليه السلام بدأ بمصالح نفسه في قوله :﴿قَالَ هِىَ﴾ ثم مصالح رعيته بقوله :﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى﴾ [طه: ١٨] والنبي ﷺ لم يشتغل إلا بإصلاح أمر أمته اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة. نفسي نفسي والنبي ﷺ يقول :«أمتي أمتي» انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا فرق إلا بيسير جداً. ولعمري أنه لا ينبغي أن يقتدي به في مثل هذا الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به نعوذ بالله تعالى من الخذلان.
وجوز أبو البقاء أن يكون بتقدير اللام وهو متعلق بما بعده أي لأنا اخترناك ﴿فاستمع﴾ وهو كما ترى، والفاء في قوله تعالى :﴿فاستمع﴾ لترتيب الأمر والمأمور به على ما قبلها فإن اختياره عليه السلام لما ذكر من موجبات الاستماع والأمر به، واللام في قوله سبحانه :﴿لِمَا يُوحَى﴾ متعلقة باستمع، وجوز أن تكون متعلقة باخترناك، ورده أبو حيان بأنه يكون حينئذٍ من باب الأعمال ويجب أو يختار حينئذٍ إعادة الضمير مع الثاني بأن يقال : فاستمع له لما يوحى.
وأجيب بأن المراد جواز تعلقها بكل من الفعلين على البدل لا على أنه من الأعمال. واعترض على هذا بأن قوله تعالى :
وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى : عن نبينا ﷺ :﴿مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى﴾ [النجم: ١٧] وقوله عن موسى عليه السلام :﴿قال هي عصاي﴾ [طه: ١٨] الخ ترى الفرق واضحاً بين الحبيب والكليم مع أن لكل رتبة التكريم ﷺ.
وذكر بعضهم أن في الآيات ما يشعر بالفرق بينهما أيضاً عليهما الصلاة والسلام من وجه آخر وذلك أن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا والنبي ﷺ كان يتكل على فضل الله تعالى ورحمته قائلاً مع أمته وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولذا ورد في حقه ﴿حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين﴾ [الأنفال: ٦٤] على معنى وحسب من اتبعك. وأيضاً إنه عليه السلام بدأ بمصالح نفسه في قوله :﴿قَالَ هِىَ﴾ ثم مصالح رعيته بقوله :﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى﴾ [طه: ١٨] والنبي ﷺ لم يشتغل إلا بإصلاح أمر أمته اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة. نفسي نفسي والنبي ﷺ يقول :«أمتي أمتي» انتهى، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا فرق إلا بيسير جداً. ولعمري أنه لا ينبغي أن يقتدي به في مثل هذا الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام. وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به نعوذ بالله تعالى من الخذلان.