الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
قوله عزّ وجلّ ﴿طه﴾ قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة.
أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال : قرأ رجل على عبد الله بن مسعود ﴿طه﴾ فقال له عبد الله :﴿طِه﴾ فقال له الرجل : يا أبا عبد الرَّحْمن أليس أُمر أن يطأ قدميه ؟ فقال عبد الله : طِه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ.
واختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : هو كقولك : افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك : معناه يا رجل، وقال عكرمة : هو كقولك : يا رجل بلسان الحبشة يعني محمداً ﷺ وقال قتادة : هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير : يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة : طه، قالا : يا فلان، وقال الكلبي : هو بلغة عكّ : يا رجل، قال شاعرهم :
إن السفاهة طه في خلائقكملا قدّس الله أرواح الملاعين
وقال آخر :
هتفت بطه في القتال فلم يجبفخفت لعمرك أن يكون موائلا
مقاتل بن حيان معناه : طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي : أقسم الله تعالى بطَوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾.
وقال جعفر بن محمد الصادق ( رضي الله عنه ) : طه : طهارة أهل بيت محمد ﷺ ثم
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقيل : الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار.
وقال سعيد بن جبير : الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل : الطاء يا طامع الشفاعة للأُمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة.
وقيل : الطاء من الطهارة، والهاء : من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم : يا طاهراً من الذنوب، ويا هادياً إلى علاّم الغيوب، وقيل : الطاء : طبول الغزاة، والهاء : هيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]. وقال : وقذف في قلوبهم الرعب، وقيل : الطاء : طرب أهل الجنة، والهاء : هوان أهل النار في النار، وقيل : الطاء تسعة في حساب [ الجمل ] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ﴿مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال مجاهد :
" كان رسول الله ﷺ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية ".
وقال الكلبي :" لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي ".
أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول :" قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، وقيل له : يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ؟ فقال ﷺ أفلا أكون عبداً شكوراً ".
وقال مقاتل : قال أبو جهل بن هشام والنضر بن الحرث للنبىّ ﷺ إنّك لتسعى بترك ديننا وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ بل بعثت رحمة للعالمين، قالوا : بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى ﴿طه * مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ وأصل لكن أنزلناه عظة لمن يخشى.
قال الحسين بن الفضل : فيه تقديم وتأخير مجازه : ما أنزلنا عليك القرآن إّلا تذكرة لمن يخشى ولئلاّ تشقى، تنزيلاً بدل من قوله تذكرةً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى