فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿طه﴾ قرأ بإمالة الهاء وفتح الطاء أبو عمرو وابن أبي إسحاق، وأمالهما جميعاً أبو بكر وحمزة والكسائي والأعمش. وقرأهما أبو جعفر وشيبة ونافع بين اللفظين، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وقرأ الباقون بالتفخيم. قال الثعلبي : وهي كلها لغات صحيحة فصيحة. وقال النحاس : لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين : الأولى أنه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة.
وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الكلمة على أقوال : الأوّل أنها من المتشابه الذي لا يفهم المراد به. والثاني : أنها بمعنى : يا رجل في لغة عكل، وفي لغة عكّ. قال الكلبي : لو قلت لرجل من عك : يا رجل لم يجب حتى تقول طه، وأنشد ابن جرير في ذلك :
دعوت بطه في القتال فلم يجبفخفت عليه أن يكون موائلا
ويروى مزايلاً وقيل : إنها في لغة عكّ بمعنى : يا حبيبي. وقال قطرب : هي كذلك في لغة طيّ أي بمعنى : يا رجل، وكذلك قال الحسن وعكرمة وقيل : هي كذلك في اللغة السريانية، حكاه المهدوي. وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة النبطية، وبه قال السديّ وسعيد بن جبير. وحكى الثعلبي : عن عكرمة أنها كذلك في لغة الحبشة، ورواه عن عكرمة، ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة لذلك المعنى في تلك اللغات كلها إذا صح النقل. القول الثالث : أنها اسم من أسماء الله سبحانه. والقول الرابع : أنها اسم للنبيّ ﷺ. القول الخامس : أنها اسم للسورة. القول السادس : أنها حروف مقطعة يدل كل واحد منها على معنى. ثم اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف على أقوال كلها متكلفة متعسفة. القول السابع : أن معناها : طوبى لمن اهتدى. القول الثامن : أن معناها : طأ الأرض يا محمد. قال ابن الأنباري : وذلك أن النبيّ ﷺ كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروّح، فقيل له : طإ الأرض، أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروّح. وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال : كان النبيّ ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله :﴿طه﴾ يعني : طأ الأرض يا محمد، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ :«طه » على وزن دع، أمر بالوطء، والأصل : طأ، فقلبت الهمزة هاء. وقد حكى الواحدي عن أكثر المفسرين أن هذه الكلمة معناها : يا رجل، يريد النبي ﷺ قال : وهو قول الحسن وعكرمة وسعيد ابن جبير والضحّاك، وقتادة ومجاهد وابن عباس في رواية عطاء والكلبي غير أن بعضهم يقول : هي بلسان الحبشة والنبطية والسريانية، ويقول الكلبي : هي بلغة عك. قال ابن الأنباري : ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى ؛ لأن الله سبحانه لم يخاطب نبيه بلسان غير قريش. انتهى. وإذا تقرّر أنها لهذا المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى واضحة الدلالة خارجة عن فواتح السور التي قدّمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة، وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم واستعملتها العرب في كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة في الكتاب العزيز، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن المنذر وابن مردويه، والبيهقي في الشعب، وابن عساكر عن ابن عباس ؛ أن النبيّ ﷺ :( أوّل ما نزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى، فأنزل الله :﴿طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى﴾ ). وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال : قالوا لقد شقي هذا الرجل بربه، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن عساكر عنه أيضاً قال :( كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل لئلا ينام، فأنزل الله هذه الآية ). وأخرج البزار عن عليّ قال :( كان النبيّ ﷺ يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت :﴿مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ ) وحسن السيوطي إسناده. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً بأطول منه. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : إن رسول الله ﷺ ربما قرأ القرآن إذا صلى، فقام على رجل واحدة، فأنزل الله :﴿طه﴾ برجليك فما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عنه في قوله :﴿طه﴾ قال : يا رجل. وأخرج الحارث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :﴿طه﴾ بالنبطية، أي طأ يا رجل. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : هو كقولك : اقعد. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عنه قال :﴿طه﴾ بالنبطية : يا رجل. وأخرج ابن جرير عنه قال :﴿طه﴾ : يا رجل بالسريانية. وأخرج الحاكم عنه أيضاً قال :﴿طه﴾ هو كقولك : يا محمد بلسان الحبش. وفي هذه الروايات عن ابن عباس اختلاف وتدافع. وأخرج ابن مردويه عن أبي الطفيل قال : قال رسول الله ﷺ :( إن لي عند ربي عشرة أسماء )، قال أبو الطفيل : حفظت منها ثمانية : محمد، وأحمد، وأبو القاسم، والفاتح، والخاتم، والماحي، والعاقب، والحاشر. وزعم سيف أن أبا جعفر قال له الاسمان الباقيان : طه ويس. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله :﴿طه * مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ قال : يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وكان يقوم الليل على رجليه فهي لغة لعك إن قلت لعكي : يا رجل، لم يلتفت، وإذا قلت طه، التفت إليك. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال :﴿طه﴾ قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ قال : الثرى : كل شيء مبتل. وأخرج أبو يعلى عن جابر :( أن النبيّ ﷺ سئل ما تحت هذه الأرض ؟ قال :«الماء»، قيل : فما تحت الماء ؟ قال :«ظلمة» قيل : فما تحت الظلمة ؟ قال :«الهواء» قيل : فما تحت الهواء ؟ قال :«الثرى» قيل : فما تحت الثرى ؟ قال :«انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق» وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : و﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ قال : السرّ ما أسرّه ابن آدم في نفسه، وأخفى : ما خفي عن ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعمله، فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة وهو كقوله :﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَ كَنَفْسٍ واحدة﴾ [لقمان: ٢٨]. وأخرج الحاكم وصححه عنه في الآية قال : السرّ : ما علمته أنت، وأخفى : ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه. وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي بلفظ : يعلم ما تسرّ في نفسك ويعلم ما تعمل غداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ يقول : من يدلّ على الطريق. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عليّ في قوله :﴿فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ قال : كانتا من جلد حمار ميت فقيل له : اخلعهما. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طوى﴾ قال [ المبارك ] :﴿طوى﴾ قال : اسم الوادي. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ﴿بالواد المقدس طُوًى﴾ يعني : الأرض المقدسة، وذلك أنه مرّ بواديها ليلاً فطوى يقال : طويت وادي كذا وكذا. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله :﴿طُوى﴾ قال : طإ الوادي. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ؛ أن رسول الله ﷺ قال :( إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال :﴿أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِى﴾ ) وأخرج الترمذي وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :( من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال :﴿أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِي﴾ ) وكان ابن شهاب يقرؤها :«للذكرى». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال : لا أظهر عليها أحداً غيري. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ من نفسي.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى