بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً﴾، يعني : كلاماً باللين والشفقة والرفق، لأن الرؤساء بكلام اللين أقرب إلى الانقياد من الكلام العنيف. أي : قولا له : أيها الملك، ويقال :﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً﴾ لوجوب حقه عليك بما رباك، وإن كان كافراً.
وروى أسباط عن السدي قال : القول اللين أن موسى جاءه، فقال له : تسلم وتؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين، على أن لك شباباً لا تهرم أبداً، ويكون لك ملك لا ينزع منك أبداً حتى تموت، ولا ينزع منك لذة الطعام والشراب والجماع أبداً حتى تموت ؛ فإذا مت دخلت الجنة. قال : فكأنه أعجبه ذلك وكان لا يقطع أمراً دون هامان، وكان هامان غائباً فقال له فرعون : إن لي من أوامره وهو غائب حتى يقدم. فلم يلبث أن قدم هامان فقال له فرعون : علمت بأن ذلك الرجل أتاني ؟ فقال هامان : ومن ذلك الرجل ؟ فقال فرعون : هو موسى. قال : فما قال ؟ فأخبره بالذي دعاه إليه. قال : فما قلت له ؟ قال : لقد دعاني إلى أمر أعجبني. فقال له هامان : قد كنت أرى لك عقلاً وأن لك رأياً بيناً أنت رب، أفتريد أن تكون مربوباً، وبينا أنت تعبد أفتريد أن تعبد غيرك ؟ فغلبه على رأيه فأبى.
ثم قال تعالى :﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾، يعني : يتعظ أو يسلم. وقال الزجاج : لعل في اللغة للترجي والتطمع، يقول : لعله يصير إلى خير. والله سبحانه وتعالى خاطب العباد بما يعقلون، والمعنى عند سيبوبه اذهبا على رجائكما وطمعكما، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى ؛ إلا أن الحجة إنما تجب بإبائه ؛ وقال بعض الحكماء : إذا أردت أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فعليك باللين لأنك لست بأفضل من موسى وهارون، ولا الذي تأمره بالمعروف ليس بأسوأ من فرعون ؛ وقد أمرهما الله تعالى بأن يأمراه باللين، فأنت أولى أن تأمر وتنهى باللين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى