الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿الذي جَعَلَ﴾ مرفوع صفة لربي. أو خبر مبتدأ محذوف أو منصوب على المدح، وهذا من مظانه ومجازه ﴿مَهْداً﴾ قراءة أهل الكوفة، أي : مهدها مهداً. أو يتمهدونها فهي لهم كالمهد وهو ما يمهد للصبي ﴿وَسَلَكَ﴾ من قوله تعالى :﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]، ﴿نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المجرمين﴾ [الحجر: ١٢] أي حصل لكم فيها سبلاً ووسطها بين الجبال والأودية والبراري ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع، لما ذكرت من الافتنان والإيذان بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره، وتذعن الأجناس المتفاوتة لمشيئته، لا يمتنع شيء عن إرادته. ومثله قوله تعالى :﴿وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء﴾ [الأنعام: ٩٩]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر: ٢٧]، ﴿أَمَّنْ خَلَقْنَا السماوات والارض وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مآء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠] وفيه تخصيص أيضاً بأنا نحن نقدر على مثل هذا، ولا يدخل تحت قدرة أحد ﴿أزواجا﴾ أصنافاً، سميت بذلك لأنها مزدوجة ومقترنة بعضها مع بعض ﴿شتى﴾ صفة للأزواج، جمع شتيت، كمريض ومرضى. ويجوز أن يكون صفة للنبات. والنبات مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت، فاستوى فيه الواحد والجمع، يعني أنها شتى مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل، بعضها يصلح للناس وبعضها للبهائم. قالوا : من نعمته عزّ وعلا أن أرزاق العباد إنما تحصل بعمل الأنعام. وقد جعل الله علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله، أي قائلين :﴿كُلُواْ وارعوا﴾.