تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
جملة ﴿كُلُوا﴾ مقولٌ محذوف. تقديره : وقلنا أو قائلين. وتقدم نظيره في سورة البقرة.
وقرأ الجمهور ﴿ما رزقناكم﴾ بنون العظمة. وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف ما رزقتكم بتاء المفرد.
والطغيان : أشدّ الكِبر.
ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق : النهي عن ترك الشكر عليه وقلّة الاكتراث بعبادة المُنعِم.
وحرف ( في ) الظرفيّة استعارةٌ تبعية ؛ شبه ملابسة الطغيان للنّعمة بحلول الطغيان فيها تشبيهاً للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعَم عليه على طريقة المكنية، وحرف الظرفية قرينتها.
والحلول : النزول والإقامة بالمكان ؛ شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجيش ونحوه بديار قوم.
وقرأ الجمهور فيحِلّ عليكم بكسر الحاء وقرأوا ومن يحلِل عليه غضبي بكسر اللاّم الأولى على أنهما فعلا حَلّ الدّيْن يقال : حلّ الديْن إذا آن أجل أدائه. وقرأه الكسائي بالضمّ في الفعلين على أنّه من حلّ بالمكان يحُلّ إذا نزل به. كذا في « الكشاف » ولم يتعقبوه.
وهذا مما أهمله ابن مالك في « لامية الأفعال »، ولم يستدركه شارحها بَحْرَق اليمني في « الشرح الكبير ». ووقع في « المصباح » ما يخالفه ولا يعوّل عليه. وظاهر « القاموس » أن حلّ بمعنى نزل يستعمل قاصراً ومتعدياً، ولم أقف لهم على شاهد في ذلك.
وهوَى : سقط من علوّ، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده، كما قالوا : هوت أمّه، دعاء عليه، وكما يقال : ويل أمّه، ومنه :﴿فأمه هاوية﴾ [القارعة: ٩]، فأريد هويّ مخصوص، وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى