جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتابالقول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىَ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيَ إِمَامٍ مّبِينٍ﴾.
يقول تعالى ذكره : إنّا نَحْنُ نُحْيي المَوْتى من خلقنا وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا في الدنيا من خير وشرّ، وصالح الأعمال وسيئها. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا من عمل.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا قال : ما عملوا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : ما قَدّمُوا قال : أعمالهم.
وقوله : وآثارَهُمْ يعني : وآثار خُطاهم بأرجلهم، وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله ﷺ، ليقرب عليهم. ذكر من قال ذلك :
حدثنا نصر بن عليّ الجهضميّ، قال : حدثنا أبو أحمد الزّبيري، قال : حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد فنزلت وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا وآثارَهُمْ فقالوا : نثبت في مكاننا.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا، قال : فنزلت وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا وآثارَهُمْ فثبتوا.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا الجريريّ، عن أبي نضرة، عن جابر، قال : أراد بنو سَلِمة قرب المسجد، قال : فقال لهم رسول الله ﷺ :«يا بَنِي سَلِمَةَ دِيارَكُمْ، إنّها تُكْتَبُ آثارُكُمْ ».
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا معتمر، قال : سمعت كهمسا يحدّث، عن أبي نضرة، عن جابر، قال : أراد بنو سَلِمة أن يتحوّلوا إلى قُرب المسجد، قال : والبقاع خالية، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال :«يا بَنِي سَلِمَةَ دِيارَكُمْ إنّها تُكْتَبُ آثارُكُمْ » قال : فأقاموا وقالوا : ما يسرّنا أنا كنا تحوّلنا.
حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، قال : حدثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن طريف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدريّ، قال : شكت بنو سلِمة بُعد منازلهم إلى النبيّ ﷺ، فنزلت : إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ ما قَدّمُوا وآثارَهُمْ فقال :«عَلَيْكُمْ مَنازلَكُمْ تُكْتَبُ آثارُكم ».
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا أبو تُمَيلة، قال : حدثنا الحسين، عن ثابت، قال : مشيت مع أنس، فأسرعت المشي، فأخذ بيدي، فمشينا رُويدا، فلما قضينا الصلاة قال أنس : مشيت مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال : يا أنس أما شعرت أن الآثار تكتب ؟
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن عُلَية، عن يونس، عن الحسن أن بني سَلِمة كانت دورهم قاصية عن المسجد، فهموا أن يتحوّلوا قرب المسجد، فيشهدون الصلاة مع النبيّ ﷺ، فقال لهم النبيّ ﷺ :«ألا تَحْتَسِبُونَ آثارَكُمْ يا بَني سَلِمَةَ ؟ » فمكثوا في ديارهم.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم ابن أبي بَزّة، عن مجاهد، في قوله ما قَدّمُوا وآثارَهُمْ قال : خُطَاهم بأرجلهم.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وآثارَهُمْ قال : خطاهم.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة وآثارَهُمْ قال : قال الحسن : وآثارهم قال : خُطَاهم. وقال قتادة : لو كان مُغْفِلاً شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفّي الرياح من هذه الاَثار.
وقوله : وكُلّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبِينٍ يقول تعالى ذكره : وكل شيء كان أو هو كائن أحصيناه، فأثبتناه في أمّ الكتاب، وهو الإمام المبين. وقيل : مُبين، لأنه يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد في إمامٍ مُبِينٍ قال : في أمّ الكتاب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله : وكُلّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إمامٍ مُبِينٍ كلّ شيء محصيّ عند الله في كتاب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وكُلّ شَيْء أحْصَيْناهُ فِي إمام مُبِينٍ قال : أمّ الكتاب التي عند الله فيها الأشياء كلها هي الإمام المبين.