مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير — ابن باديس

عن الكتاب
المرسل والرسالة والرسول والمرسل إليهم
" يس "
( فاتحة سورة يس )
تمهيد :
طريقتان في فواتح السور :
مثل هذا اللفظ مما افتتحت به بعض سور القرآن للعلماء فيه طريقتان :
الطريقة الأولى :
الفواتح أبهمت لحكمه :
أنه لفظ له معنى يعلمه الله، فهو من المتشابه الذي لا يعلمه الراسخون، وإنما يؤمنون به، ويردون علمه إلى عالمه.
سؤال وجوابه :
القرآن أنزل للبيان، و لا بيان إلا بالإفهام، فكيف يكون في القرآن لفظ لا يفهم له معنى ؟
والجواب : أن عدم فهم معنى من بضع عشرة كلمة افتتحت بها بعض السور، لا يخل ببيان القرآن، لما أنزل لبيانه من عقائد وآداب وأحكام وغيرها من مقاصد القرآن.
توجيه وتنظير :
إن الله تعالى أعطانا العقل، الذي به ندرك الآيات التي نصبها لنا ؛ لنستدل بها على وجوده ووحدانيته وقدرته، وعلمه وحكمته، ولطفه ورحمته.
وبالنظر في هذه الآيات نصل – بتيسير الله – بعقولنا إلى إدراك بدائع عجيبة، وأسرار غريبة، ما تزال تتجلى لنا ما دمنا نتأمل فيها، ونعتبر بها.
و ما يزال الإنسان يكتشف منها حقائق مضت عليها أزمان، وهو يعدها من المحال، ويجتني منها فوائد ما كانت تخطر له – في أحقابه الماضية – على بال.
لطف الله في جعل حد للعقل :
غير أن استجلاء هذه الحقائق، واستحصال هذه الفوائد من الآيات الكونية – على نفاستها وعظيم نفعها – محفوف بخطر الإعجاب بذلك العقل، حتى يحسب أنه محيط بالحقائق كلها، وأن مدركاتها يقينيات بأسرها.
فيؤديه حسبانه الأول(١) إلى الفتنة بالمدركات، فيحسب أن لا شيء بعدها فقد يخرج إلى إنكار خالقها.
و يؤديه حسبانه الثاني(٢) إلى الذهاب في ظنونه وأوهامه وفرضياته، إلى غايات لا نسب بين اليقين وبينها.
فكان من لطف الله بالإنسان أن جعل لعقله حدا يقف عنده، وينتهي إليه، ليسلم من هذا الخطر : خطر الإعجاب العقل(٣).
مشاهد تحير :
ففي آيات الله الكونية حقائق كثيرة تقف العقول حيارى أمامها، وقد تشهد آثارها، ولا تستطيع أن تعرف كنهها، كحقيقة الكهرباء في الكون، وحقيقة الروح والعقل في الإنسان.
فمثل هذه الحقائق المنغلقة التي يرتد عقل الإنسان إليه عنها خاسئا وهو حسير – هي التي تعرفه بقدره، وبعظمة هذا الكون، وفخامة أمره، فيقف بعقله عند حد النظر والاعتبار، والاستدلال ببديع الصنعة وعظيم النعمة على حكمة الله البالغة، ومنته السابغة، دون خلط للأوهام بالحقائق، ولا فتنة بالمخلوق عن الخالق.
خفاء بعض حكم الأحكام ووجهه :
هذه الحقائق التي خفيت عن العقل البشري، فلم يدرك كنهها، لم تقدح في دلالات آيات الأكوان، على ما دلت عليه من وجود الخالق ووحدانيته، وقدرته وعلمه، وحكمته، وفضله، وإحسانه، ورحمته.
فكذلك لم يقدح في بيان القرآن ودلالة آياته، خفاء معاني بضع عشرة كلمة من كلماته.
وكما كان خفاء تلك الحقائق في الآيات الكونية، إيقافا للعقل عند حده، وتعريفا له بقدره، وتنبيها له على عظم آيات ربه – كذلك كان خفاء هذه المعاني في الآيات القرآنية لمثل ذلك.
أمثلة لما خفي عنا :
ونظير الآيات الكونية والآيات الكلامية في هذا الجلاء العام، والخفاء الخاص.. جملة من الأحكام.
كعدد الصلوات، والركعات، والسجدات، التي خفيت على العقول حكمتها، وقد ظهرت الحكم الكثيرة الجليلة في سائر أحكام الشريعة غيرها.
ولم يقدح في حكمة الشريعة في أحكامها ما خفي في بعضها.
كما لم يقدح خفاء ما خفي من حقائق الآيات الكونية، ومعاني الآيات الكلامية في دلالتها وبيانها.
والحكمة هنا في هذه الأحكام هي الحكمة المتقدمة فيهما(٤).
خفاء جزئي لبعض تصرفات الله :
ونظير الآيات الكونية، و الآيات الكلامية، والأحكام الشرعية، في هذا الخفاء الجزئي تصرفات الله في خلقه بمجاري أقداره.
فقد تظهر حكمة الله فيه، وقد تخفى.
وقد تخفى دهرا وتظهر بعد مدة.
يوسف :
وقد نبهنا الله على هذه الحقيقة، بما قص علينا في قصة يوسف عليه السلام، وما كان مجهولا من حكم قدر الله في مبدإ أمره، وما ظهر من تلك الحكم الباهرة للقدر في آخر أمره(٥).
موسى :
وبما قصه علينا في قصة أم موسى - عليه السلام – لما أوحي إليها بقذفه في اليم، وعدم الخوف عليه، وما كان من عواقب أمره.
وكما لا ينفي الحكمة عن تدبير الله عدم ظهورها... كذلك لا ينفي الحكمة عن شرعه عدم فهمها، و لا يقدح في دلالته الآيات وبيانها، عدم إدراك كنهها، أو عدم فهم معناها.
قيام الحجة على الإنسان بما عرف :
ففي خلق الله، وفي شرع الله، وفي قدر الله، وفي كلام الله، ما يخفى على العقول إدراك حقيقته، أو حكمته، أو معناه، لطفا من الله بالإنسان وتنبيها له.
وقد قامت الحجة عليه فيما جهل بما عرف، وتجلت له بدائع الخلقة وجلائل النعمة فيما ظهرن فآمن بوجود مثلها فيما خفي :
إذ الرب الحكيم الرحيم، لا يكون منه إلا ما هو حكمة، وفيه نعمة.
فكان الإنسان في القسم الأول(٦) مدركا مستدلا معتبرا، قد استعمل عقه فأداه إلى الإيمان واليقين فيما ظهر. وكان في القسم الثاني(٧) مصدقا مذعنا لربه صاغرا، قد أدرك الحجة فآمن بالغيب فيما استتر، فجمع بين النظر والاستدلال، والتسليم و الإذعان.
فهذا توجيه وجود لفظ من كتاب الله لا نفهم معناه، - عند من يقول به – ببيان حكمته، مع تنظيره بمثله في خلق الله وشرعه وقدره(٨).
بناء العمل على هذا العلم :
قصور العقل :
قد رأيت كيف يقف العقل عاجزا أمام بعض أسرار الخلق، والقدر والشرع.
والقرآن مع يقينه بما علم منها أن ما عجز عن إدراكه، ما هو إلا مثل ما عرف في كماله في الحق والحكمة والنعمة ؛ إذ الجميع – ما عرف وما عجز عنه – من إله واحد حكيم خبير، رحمن رحيم.
فليذكر الناظر في خلق الله، وقدره، وشرعه، وكلامه، دائما هذه الحقيقة :
وهي ثبوت الحق والحكمة والنعمة في جميعها، وإمكان عجز عقله في بعض المواضع والأحوال عن إدراكها ؛ فيكون عمله في خلق الله هو النظر والبحث والتحليل والاكتشاف، واستجلاء الحقائق الكونية، واستخراج الفوائد العلمية والعملية، إلى أقصى حد توصله إليه معلوماته وآلاته.
حتى إذا انتهى إلى مشكل استغلق عليه اعترف بعجزه، و لم يرتكب من الأوهام والفروض البعيدة ما يكسو الحقيقة ظلمة، ويوقع الباحث من بعده في ظلالة أو حيرة.
فكثيرا ما كانت الفروض الوهمية الموضوعة موضع اليقينيات، سببا في صد العقول عن النظر، وطول أمد الخطأ والجهل.
ويكون عمله في قدر الله هو الاعتبار في تصاريف القدر، واتعاظ بأحوال البشر، واستحصال قواعد الحياة من سير الحياة.
فإذا رأى من تصاريف القدر ما لم يعرف وجهه و لم يتبين له ما فيه من عدل وحكمة وإحسان ورحمة... فليذكر عجزه. وليذكر ظهور ما خفي عنه من مثل ذلك في وقت، ثم ظهر له ؛ فيوقن أن هذا مثله، وإنه إذا طالت به الأيام قد يظهر له من وجهه ما خفي منه، فيتلقاه الآن بالتسليم والتنزيه، رادا علمه إلى الله تعالى، مفوضا أمره إليه(٩).
قصارى جهدنا :
و يكون عمله في شرع الله هو الفهم لنصوص الآيات والأحاديث، ومقاصد الشرع وكلام أئمة السلف، وتحصيل الأحكام، والعقائد وأدلتها، والآداب وفوائدها، والمفاسد وأضرارها.
حتى إذا بلغ إلى حكم لم يعرف حكمته وقضاء لم يدر علته. ذكر عجزه فوقف عنده، فلم يكن من المرتابين و لا من المتكلفين.
ولم يمنعه عجزه عن تعليل و تبين وجه ذلك القليل عن المضي في التفهم والتدبر لما بقي له من الكثير.
ويكون عمله في كتاب الله هو التفهم والتدبر لآياته، والتفطن لتنبيهاته، ووجوه دلالاته، واستشارة علومه من منطوقه ومفهومه، على ما دلت عليه لغة العرب في منظومها ومنثورها، وما جاء من التفاسير المأثورة، وما نقل من مفهوم الأئمة الموثوق بعلمهم وأمانتهم، المشهود لهم بذلك من أمثالهم(١٠).
رد المتشابه للمحكم والتفويض :
فإذا وقف إمام المتشابه رده إلى المحكم، وإذا انتهى إلى فواتح السور ذكر عجزه فآمن بما لها من معنى، وقال الله به أعلم.
فبهذا السير، النظري، والعمل العلمي المبني على اليقين بعدل الخالق جل جلاله، وحكمته ورحمته في خلقه، وقدره وشرعه وكلامه، ومعرفة العبد بقدره ومقامه، يزداد السائر على مقتضاه إيمانا وعلما، وفوائد جمة، ويسلم من الغرور والأوهام والفتنة.
وهو سبيل الراسخين الذين يقولون فيما لا يفهمونه :
" آمنا به، كل من عند ربنا، وما يذكر إلا أولوا الألباب ".
الطريقة الثانية :
الفواتح فهمت :
وذهبت جماعة من أهل العلم، من السلف والخلف، إلى أن هذه الفواتح قد فهمت العرب المراد منها، ولذلك لم تعترض على البيان بها، ولا طعنت في عربيته بعدم فهمها، وإن كنا لا نجد في كلامها ما نعرف به المعنى الذي فهمته منها.
رأي ابن العربي :
و ممن ذهب إلى ذلك الإمام أبو بكر العربي، فقال في كتاب ( القبس على موطأ مالك بن أنس ) :
وليست من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، فإن محمدا - صلى الله عليه وآله وسلم – لو خاطب الكفار منها بما لا يفهم لكان ذك أقوى أسبابها في الطعن عليه، وكانوا يقولون : هذا يتكلم بما لا نفهم، وهو يدعي أنه بلسان عربي مبين، وما حمعسق في اللسان ؟ ! وما كفهيعص في الكلام ؟.
( فدل أنهم فهموا الغرض وعرفوا المقصود ).
اختلاف المتأولين :
طوائف الفاهمين :
أ – منهم طائفة تكلمت على كل لفظ من ألفاظ الفواتح، وذكرت له معنى، واختلفوا في تلك المعاني التي ذكروها، وهي كما ذكر الإمام ابن العربي :
لا سبيل إلى تمييز واحد منها بدليل ؛ لأنه معدوم ؛ ولا بأثر، لأنه غير منقول (.
و لا تطمئن إلى شيء منها القلوب التي عاشت على اليقين.
ب – ومنهم طائفة أخذتها كلها بوجه واحد، فقال بعض :
إنها حروف تنبيه تقرع الأسماع، فتلفت السامعين إلى الاستماع والتدبر ؛ لما اشتملت عليه السورة من الأحكام والعقائد والآداب وغيرها، من مقاصد القرآن. فهي نظير ( ألا والهاء ) في مألوف الاستعمال.
ج – وقال بعضهم : إنها حروف تعجيز وإفحام و تقريع، لأن القرآن الذي عجزوا عن معارضته، من هذه الحروف وأخواتها، تركبت كلماته
فكأنما يقال لهم :
ما هذا الذي عجزتم عنه إلا كلام من جنس كلامكم، وما ركبت كلماته إلا مما ركبت منه كلماتكم، وهذا لعجزهم أفضح، و لتقريعهم أوجع.
وما يؤيد هذا أن أكثر هذه الفواتح ذكر بعده الكتاب المعجز وصفاته مثل قوله تعالى :
" ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه " (١١)، " ألم. الله لا إله إلا هو الحي القيوم، نزل عليك الكتاب بالحق " (١٢). " المص. كتاب أنزل إليك " (١٣). " المر. تلك آيات الكتاب الحكيم " (١٤). " ألمر. كتاب أحكمت آياته " (١٥). " ألر. تلك آيات الكتاب المبين " (١٦). " طسم. تلك آيات الكتاب المبين " (١٧). " ألم. تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين " (١٨). " حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم " (١٩). وغيرها(٢٠)....
الفائدة العملية :
قد افتتحت هذه السور من القرآن العظيم بكلمات التنبيه، وجاءت اول سورة منه بعد الفاتحة مفتتحة به.
فلتكن عند قراءته في انتباه، وإقبال على استيعاب لفظه، وتفهم معناه فإن التالي للقرآن والسامع له في حضرة الرب على بساط القرب، والغفلة في هذا المقام من قلة الأدب.
ومن قل أدبه في مقام الإحسان والكرا
١ الإحاطة بالحقائق..
٢ يقينية مدركات العقل وثبوتها، مع أن العلم بالأشياء كثيرا ما يتغير: فقد قيل أولا إن الأرض ليست كروية، ثم قيل بكرويتها بعدئذ مثلا.
.

٣ ومن عجب أن العقل لا يعرف نفسه، كما أن الذكاء لم تعرف ماهيته، وإنما استدل عليه بالسلوك والتصرف الذكي أو غيره..
٤ إيقافا للعقل عند حده، وتعريضا له بقدره، وتنبيها له على عظم مخلوقات الله وقدرته التي ليست كقدرتنا....
٥ فقد ألقاه إخوته في البشر وصار وزيرا للخزانة، ومنقذا من سنوات القحط ورسولا كريما بعد البئر..
٦ فيما عرف..
٧ فيما خفي..
٨ والمعنى من هذا بعد كل ذلك أن بعض حقائق الدين لا تخضع للتفتيش العقلي كما تخضع الفلسفة مثلا.
وعجيب أن نسمع الآن من بعض الجغرافيين – مثلا : إنكار بعض المعجزات النبوية كقولهم بأن موسى لم ينفلق له البحر، وإنما كان يعلم مكانا مرتفعا، وكان يعرف المد والجزر، فعبر البحر عند الجزر؟! وذلك و لا ريب – غرور، وجهل. ولو راجعوا تاريخ المعلومات الجغرافية و تخبطه ما قالوا هذا..

٩ كما ظهر في قصة يوسف وموسى عليهما الصلاة والسلام..
١٠ نفهم كتاب الله بمثل هذا، لا بقول الفلاسفة، وتفسيره على المخترعات الحديثة..
١١ فاتحة سورة البقرة..
١٢ فاتحة آل عمران..
١٣ فاتحة الأعراف..
١٤ فاتحة يونس..
١٥ فاتحة هود..
١٦ فاتحة سورة يوسف..
١٧ فاتحة سورة القصص..
١٨ فاتحة سورة السجدة..
١٩ فاتحة سورة غافر..
٢٠ ومما ذكر في معنى يس: أنه اسم من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأقسم الله به على أنه رسوله. وقيل معناه يا إنسان، وقيل معناه: يا سيد. وقيل : معناه يا رجل. وقيل هو من أسماء الله تعالى..
وبعضهم أبعد وأغرب في هذا الجانب، كقولهم في ألم : الألف هو الله تعالى واللام جبيرل عليه السلام، والميم محمد صلى الله عليه وسلم.
ولله تعالى أن يقسم بما يشاء تعظيما لقدره، أو تنبيها على رفعة شأنه – على ما يشاء. وليس لنا أن نقسم إلا بالله..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى