مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
سورة يس
وتسمى أيضا: القلب، والدافعة، والقاضية، والمعممة. مكية، ثلاث وثمانون آية، سبعمائة وتسع وعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف
يس (١) أي وهذه يس، أو اقرأ يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) أي المتضمن للحكمة.
اعلم أن العبادة قلبية ولسانية وجارحية، وكل واحدة منها قسمان قسم علم معناه، وقسم لم يعلم.
أما القلبية: فمنها ما لم يعلم دليله عقلا، وإنما وجب الإيمان به كالصراط الذي هو أرق من الشعرة، وأحد من السيف ويمر عليه المؤمن كالبرق الخاطف، والميزان الذي
توزن به الأعمال التي لا ثقل لها في نظر الناظر، وكيفيات الجنة والنار، لأن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي وإنما المعلوم بالعقل إمكانها، ووقوعها مقطوع به بالسمع، ومنها ما علم كالتوحيد والنبوة وقدرة الله وصدق الرسول في العبادات الجارحية ما علم معناه وما لم يعلم، كمقادير النصب وعدد الركعات فالعبد. إذا أتى بما أمر به من غير أن يعلم ما فيه من الفائدة فلا يكون الإتيان به إلا لمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي للفائدة فقط، وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده: انقل هذه الحجارة من هاهنا ولم يعلمه بما في النقل فنقلها ولو قال: انقلها فإن تحتها كنزا هو لك فإنه ينقلها، وإن لم يؤمن، فكذلك العبادات اللسانية، فمنها ما لا يفهم معناه فإذا تكلم به العبد علم أنه لا يقصد غير الانقياد لأمر المعبود الآمر الناهي، فإذا قال: يس، حم، الم، طس، علم الله أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل هو يتلفظ به إقامة لما أمر به إِنَّكَ يا أشرف الخلق لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) أي ثابت على شريعة شريفة، فإن شريعته صلّى الله عليه وسلّم أقوم الشرائع، وقوله: عَلى صِراطٍ خبر ثان ل «إن». تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥).
وقرأ ابن عامر، وحفص، وحمزة والكسائي بالنصب على الحال أو على المدح بإضمار أعني أي حال كون القرآن تنزيل المانع عن أشياء المطلق لأشياء، أو المنتقم لمن لا يؤمن، الرحيم لمن آمن. والباقون بالرفع أي هذا تكليم العزيز. وقرئ بالجر على أنه بدل من القرآن كأنه تعالى قال: والقرآن الحكيم، تنزيل العزيز الرحيم، إنك لمن المرسلين، لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ
آباؤُهُمْ
أي لم ينذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبي قبل نبينا صلّى الله عليه وسلّم، ف «ما» نافية، والجملة صفة ل «قوما» ويصح كونها موصولة أي الذين أنذر آباؤهم الأقدمون ويصح كونها مصدرية فيكون نعتا لمصدر مؤكد، أي لتنذر قوما إنذارا كائنا مثل إنذار آبائهم الأقدمين من العذاب فَهُمْ أي القوم وآباؤهم الأقربون غافِلُونَ (٦) عن أمر الآخرة، جاحدون بها، أو فهؤلاء القوم غافلون عما أنذر آباؤهم الأقدمون لامتداد المدة لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ، أي لقد حقت كلمة العذاب العاجل على أكثر أهل مكة أبي جهل وأصحابه، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) أي في علم الله وقتلوا يوم بدر على الكفر إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ أي فالأغلال منتهية إلى أذقانهم فلا تدعهم يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رؤوسهم، له فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)، أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم بحيث لا يكادون يرون الحق وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا، أي وجعلنا مع ما ذكر من أمامهم سدا عظيما، ومن ورائهم كذلك فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩) أي فغطينا بهذين السدين أبصارهم فهم بسبب ذلك لا يقدرون على إبصار شيء ما أصلا، وقوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا إلخ كناية عن منع الله إياهم عن الاهتداء، وهو تمثيل حالهم بحال من غلت أعناقهم، وقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فلا يبصرون الحق لمكان السد، ولا ينقادون لك لمكان الغل. وقيل: نزلت هذه الآيات في أبي جهل بن هشام وصاحبيه المخزومين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمدا يصلي ليرضخن رأسه بحجر، فلما رآه يصلي ذهب إليه فرفع حجرا ليرميه، فلما أومأ إليه رجفت يداه إلى عنقه، والتصق الحجر بيده إلى عنقه، فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم بما رأى قال الوليد بن المغيرة، أنا أرضخ رأسه فأتاه وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقال: والله ما رأيته ولقد سمعت صوته! فقال الرجل الثالث: والله لأشدخن رأسه، ثم أخذ الحجر وانطلق، فرجع القهقرى ينكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشيا عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم رأيت الرجل، فلما دنوت منه فإذا فحل يخطر بذنبه ما رأيت قط فحلا أعظم منه، حال بيني وبينه فو اللات والعزى لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أي إنا جمعنا أيمانهم إلى الأذقان حين أرادوا أن يرجموا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالحجارة وهو في الصلاة فها هم مغلولون من كل خير، محرومون، وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي وجعلنا من أمامهم سترا حيث أرادوا أن يرجموا النبي صلّى الله عليه وسلّم بالحجارة وهو في الصلاة، فلم يبصروا النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن خلفهم سدا حتى لا يبصروا أصحابه، فغطينا أبصارهم فهم لا يبصرون النبي صلّى الله عليه وسلّم فيؤذوه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى