روح المعاني — الألوسي

عن الكتاب
﴿يس﴾ الكلام فيه كالكلام في ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ونحوه من الحروف المقطعة في أوائل السور إعراباً ومعنى عند كثير. وأخرج ابن أبي شيبة. وعبد بن حميد. وابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس أنه قال : يس يا انسان. وفي رواية أخرى عنه زيادة بالحبشية. وفي أخرى عنه أيضاً في لغة طي.
قال الزمخشري : إن صح هذا فوجهه أن يكون أصله يا أنيسين فكثر النداء به على ألسنهم حتى اقتصروا على شطره كما في القسم م الله في أيمن الله. وتعقبه أبو حيان بأن المنقول عن العرب في تصغير إنسان أنيسيان بياء قبل الألف وهو دليل على أن الإنسان من النسيان وأصله انسيان فلما صغر رده التصغير إلى أصله ولا نعلمهم قالوا في تصغيره انيسين، وعلى تقدير أنه بقية أنيسين فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم ولا يبقى موقوفاً لأنه منادى مقبل عليه ومع ذلك لا يجوز التصغير في أسماء الأنبياء عليهم السلام كما لا يجوز في أسماء الله عز وجل، وما ذكره في م من أنه شطر أيمن قول، ومن النحويين من يقول م حرف قسم وليس شطر أيمن انتهى.
قال الخفاجي : لزوم البناء على الضم مما لا كلام فيه فلعل من فسره بذلك يقرؤه بالضم على الأوجه فيه، وأما الاعتراضان الآخران فلا ورود لهما أصلاً، فأما الأول فلأن من يقول أنيسيان على خلاف القياس وهو الأصح لا يلزمه فيما غير منه أن يقدره كذلك وهو لم يلفظ به حتى يقال له : نطقت بما لم تنطق به العرب بل هو أمر تقديري، فإذا قال : المقدر مفروض عندي على القياس هل يتوجه عليه السؤال، وأما الأخير فلأن التصغير في نحو ذلك إنما يمتنع منا وأما من الله تعالى فله سبحانه أن يطلق على نفسه عز وجل وعظماء خلقه ما أراد ويحمل حينئذ على ما يليق كالتعظيم والتحبيب ونحوه من معاني التصغير كما قال ابن الفارض :
ما قلت حبيبي من التحقيربل يعذب اسم الشيء بالتصغير
والذي قاله أبو حيان في توجيه ذلك أنهم يقولون إيسان بمعنى إنسان ويجمعون على أياسين فهذا منه ولا يخفى أنه يحتاج إلى إثبات وبعده لا يخفى ما في التخريج عليه، وقالت فرقة : يا حرف نداء والسين مقامة مقام إنسان انتزع منه حرف فأقيم مقامه، ونظيره ما جاء في الحديث «كفى بالسيف شا » أي شاهداً، وأيد بما ذهب إليه ابن عباس في ﴿حم عسق﴾ [الشورى: ١، ٢] ونحوه من أنها حروف من جملة أسماء له تعالى وهي رحيم وعليم وسميع وقدير ونحو ذلك.
وظاهر كلام بعضهم كابن جبير أن يس بمجموعه اسم من أسمائه عليه الصلاة والسلام وهو ظاهر قول السيد الحمري :
يا نفس لا تمحضي بالود جاهدةعلى المودة إلا آل ياسينا
ولتسميته ﷺ بهذين الحرفين الجليلين سر جليل عند الواقفين على أسرار الحروف، وقد تكلمت ولله تعالى الحمد فيما تعلق بهذه الكلمة الشريفة ثلاثة أيام أشرع كل يوم منها بعد العصر وأختم قبيل المغرب وذلك في مجلس وعظي في المسجد الجامع الداودي واليوم لا أستطيع أن أذكر من ذاك بنت شفة بل لا أتذكر منه إلا رسماً هب عليه عاصف الزمان الغشوم فنسفه فحسبي الله عمن سواه فلا رب غيره ولا يرجى إلا خيره.
وقرئ بفتح الياء وإمالتها محضاً وبين بين.
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة في الواو، وآخرون بسكونها مظهرة والقراءتان سبعيتان، وقرأ ابن أبي إسحاق. وعيسى بفتح النون، قال أبو حاتم قياس قول قتادة : إنه قسم أن يكون على حد الله لأفعلن بالنصب.
ويجوز أن يكون مجروراً بإضمار باء القسم وهو ممنوع من الصرف. وقال الزجاج : النصب على تقدير أتل يس وهذا على قول سيبويه أنه اسم للسورة، وقيل هو مبني والتحريك للجد في الهرب من التقاء الساكنين والفتح للخفة كما في أين، وسبب البناء غير خفي عليك إذا أحطت خبراً بما قرروا في ﴿الم﴾ أول سورة البقرة.
ولا تغفل عما قالوا في النصب بإضمار فعل القسم من أنه لا يسوغ لما فيه من جمع قسمين على مقسم عليه واحد وهو مستكره، ولا سبيل إلى جعل الواو بعد للعطف لا للقسم لمكان الاختلاف إعراباً.
وقرأ الكلبي بضم النون وخرج على أنه منادى مقصود بناءً على أنه بمعنى إنسان أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، ويقدر هذه إذا كان اسماً للسورة وهذا إن كان اسماً للقرآن وهو يطلق على البعض كما يطلق على الكل، وجعله مبتدأ محذوف الخبر وهو قسم أي يس قسمي نحو أمانة الله لأفعلن بالرفع لا يخفى حاله، وقيل الضمة فيه ضمة بناءً كما في حيث.
وقرأ أبو السمال. وابن أبي إسحاق أيضاً بكسرها، وخرج على أنه للجد في الهرب عن الساكنين بما هو الأصلي فتأمل وتذكر.
ومن باب الإشارة : قيل إن قوله سبحانه يس إشارة إلى سيادته عليه الصلاة و السلام على جميع المخلوقات فالسيد المتولي للسواد أي الجماعة الكثيرة وهي ههنا جميع الخلق فكأنه قيل : يا سيد الخلق وتوليته عليه الصلاة و السلام عاليهم لأنه الواسطة العظمى في الإفاضة والإمداد وفي الخبر الله تعالى المعطي وأنا القاسم فمنزلته صلى الله تعالى عليه وسلم بأسره بمنزلة القلب من البدن فما ألطف افتتاح قلب القرآن بقلب الأكوان وفي السين بيناتها وزبرها أسرار لا تحصى وكذا في مجموع يس والقرآن قد يكون إشارة إليه صلى الله تعالى عليه وسلم فقد ذكر الصوفية أنه يشار إلى الإنسان الكامل وكذا الكتاب المبين وعلى ذلك جاء قول الشيخ الأكبر قدس سره : أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني ولا أحد أكمل من النبي عليه الصلاة و السلام

تفسير هذه الآية من كتب أخرى