اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ في تعلقه بما قبله وجهان :
أحدهما : أنه بيان لكونهم أتوا بالبلاغ المبين حيث أمن بهم الرجل الساعي. وعلى هذا فقوله :«مِنْ أَقْصَى المَدِينَة » فيه بلاغة باهرة لأنه لما جاء من أقصى المدينة رجل و ( هو ) قد آمن دل على ( أن )(١) إنذارهم وإبلاغهم بلغ إلى أقصى المدينة.
والثاني : أن ضرب المثل لما كان لتسلية قلب(٢) محمد - عليه ( الصلاة و ) السلام- ذكر بعد الفراغ من ذكر الرسل سعي المؤمنين في تصديق أنبيائهم، وصبرهم(٣) على ما أوذوا، ووصول الجزاء(٤) الأوفر إليهم ليكون ذلك تسليةً لقلب أصحاب محمد - عليه الصلاة والسلام-(٥).
قوله :﴿رجل يسعى﴾ في تنكير «الرجل » مع أنه كان معروفاً معلوماً عند الله فائدتان :
الأولى : أن يكون تعظيماً ( لشأنه )(٦) أي رجل كامل في الرجولية.
الثانية : أن يكون مفيداً ليظهر من جانب المرسلين أمر رجل من الرجال لا معرفة لهم به، فلا يقال : إنهم تواطئوا. والرجل هو حبيب النَّجار كان ينحت الأصنام. وقال السدي : كان قصاراً. وقال وهب : كان يعمل الحرير وكان سقيماً قد أسرع فيه الجُذَامُ. وكان منزله عند أقصى باب المدينة(٧) وكان مؤمناً آمن بمحمدٍ- ﷺ -(٨) قبل وجوده حين صار من العلماء بكتاب(٩) الله، ورأى فيه نعت(١٠) محمد وبعثته وقوله :«يسعى » تبصيرٌ للمسلمين وهداية لهم ليبذلوا جَهْدَهم في النُّصْحِ.
قوله :﴿قَالَ يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ تقدم الكلام في فائدة قوله :«يا قوم »(١١) عند قوله موسى :﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤].
فإن قيل : هذا مثل مؤمن آل فرعون ﴿وَقَالَ الذي آمَنَ يا قوم اتبعون﴾ [غافر: ٣٨]وهنا قال :«اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ » فما الفرق ؟.
فالجواب : هذا الرجل جاءهم وفي أول مجيئه نصحهم ولم يعلموا سيرته فقال اتبعوا هؤلاء الذين أظهروا لكم الدليل وأوضحوا لكم السَّبِيلَ وأما مؤمن آل فرعون فكان فيهم ونصحهم مراراً فقال :«اتَّبِعُونِي في الإيمان بمُوسى وهَارُونَ - عليهما ( الصلاة و ) السلام - واعلموا أنه لو لم يكن خيراً لما اخترته لنفسي وأنتم تعلمون أني اخترته » ولم يكن للرجل الذي جاء من أقصى المدينة أن يقول : أنتم تعلمون اتّباعي لهم. واعلم أنه جمع بين إظهار النصيحة وإظهار إيمانه فقوله(١) :«اتبعوا » نصيحة(٢) وقوله :«المرسلين » إظهار إيمانه وقدم إظهار النصيحة على إظهار الإيمان لأنه كان ساعياً في النصيحة وأما الإيمان فكان قد آمن من قبل وقوله :«يسعى » على إرادته النصح(٣).
١ ما بين الأقواس زيادة من "أ" وسقوط من "ب"..
٢ في "ب" ملة بدل قلب..
٣ في "ب" وصبروا..
٤ في "ب" الخبر دون الجزاء وهو تحريف..
٥ في "ب" صلى الله عليه وسلم..
٦ سقطت من "ب"..
٧ في "ب" في المدينة..
٨ في "ب" عليه الصلاة والسلام..
٩ في "ب" لكتاب الله باللام..
١٠ في "ب" قلب بدل نعت..
١١ قال هناك في الفائدة بقوله: "يا قوم" أنه ينبىء عن إشفاق عليهم وشفقة فإن إضافتهم إلى نفسه بقوله: "يا قوم" يفيد أنه لا يريد بهم إلا خيرا. وانظر اللباب ١/٦٠ "ب"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى