البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
ومستقر الشمس بين يدي العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها.
كما جاء في حديث أبي در :«ويقال لها اطلعي من حيث طلعت، فإذا كان طلوعها من مغربها يقال لها اطلعي من حيث غربت، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ».
وقال ابن عباس : إذا غربت وانتهت إلى الموضع الذي لا تتجاوزه، استوت تحت العرش إلى أن تطلع.
وقال الحسن : للشمس في السنة ثلاثمائة وستون مطلعاً، تنزل كل يوم مطلعاً، ثم لا تنزل إلى الحول، وهي تجري في فلك المنازل، أو يوم القيامة، أو غيبوبتها، لأنها تجري كل وقت إلى حد محدود تغرب فيه، أو أحد مطالعها في المنقلبين، لأنهما نهايتا مطالعها ؛ فإذا استقر وصولها كرت راجعة، وإلا فهي لا تستقر عن حركتها طرفة عين.
ونحا إلى هذا ابن قتيبة، أو وقوفها عند الزوال كل يوم، ودليل استقرارها وقوف ذلك الظلام حينئذ.
وقال الزمخشري : بمستقر لها : لحدِّها مؤقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخلا السنة.
شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو كمنتهي لها من المشارق والمغارب، لأنها تتقصاها مشرقاً مشرقاً ومغرباً مغرباً حتى تبلغ أقصاها ثم ترجع، فلذلك حدها ومستقرها، لأنها لا تعدوه أو لا يعدلها من مسيرها كل يوم في مرأى عيوننا وهو المغرب.
وقيل : مستقرها : محلها الذي أقر الله عليه أمرها في جريها فاستقرت عليه، وهو آخر السنة.
وقيل : الوقت الذي تستقر فيه وينقطع جريها، وهو يوم القيامة.
وقال أبو عبد الله الرازي ما ملخصه : في المستقر وجوه في الزمان وفي المكان، ففي الزمان الليل أو السنة أو يوم القيامة، وفي المكان غاية ارتفاعها في الصيف وانخفاضها في الشتاء، وتجري إلى ذلك الموضع فترجع، أو غاية مشارقها، فلها في كل يوم مشرق إلى ستة أشهر، ثم تعود على تلك المقنطرات ؛ وهذا هو ما تقدم في الارتفاع.
فإن اختلاف المشارق سبب اختلاف الارتفاع، أو وصولها إلى بيتها في الأسد، أو الدائرة التي عليها حركتها، حيث لا تميل عن منطقة البروج على مرور الشمس.
ويحتمل أن يقال : تجري مجرى مستقرها، فإن أصحاب الهيئة قالوا : الشمس في فلك، والفلك يدور فيدير الشمس، فالشمس تجري مجرى مستقرها. انتهى.
وقرىء : إلى مستقرها.
وقرأ عبد الله، وابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن رباح، وزين العابدين، والباقر، وابنه الصادق، وابن أبي عبدة : لا مستقر لها، نفياً مبنياً على الفتح، فيقتضي انتفاء كل مستقر وذلك في الدنيا، أي هي تجري دائماً فيها، لا تستقر ؛ إلا ابن أبي عبلة، فإنه قرأ برفع مستقر وتنوينه على إعمالها إعمال ليس، نحو قول الشاعر :
تعز فلا شيء على الأرض باقياًولا وزر مما قضى الله واقياً
الإشارة بذلك إلى جري الشمس : أي ذلك الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق.
﴿تقدير العزيز﴾ : الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علماً بكل معلوم.
وقرأ الحرميان، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وابن محيصن، والحسن : بخلاف عنه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى