التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه ﷺ - فقال :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾.
واللام فى قوله :﴿لِتُنذِرَ﴾ متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله :﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾.
والإنذار : إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى -.
والمراد بالقوم : كفار مكة الذين بعث النبى ﷺ لإنذارهم، وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا، كما قال - تعالى - :﴿قُلْ ياأيها الناس إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً...﴾ و ﴿ما﴾ نافية، والمراد بآبائهم : آباؤهم الأقربون، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل الله - تعالى - إليهم إسماعيل - عليه السلام -.
أى : أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا، لتنذر قوما، وهم قريش المعاصرون لك، ولم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإِشراك بالله - تعالى - فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص العبادة له، وطاعته فى السر والعلن.
قال ابن كثير : قوله ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يعنى بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم، الذى وردت به الآيات والأحاديث المتواترة...
وقال الجمل ما ملخصه : قوله ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً...﴾ أى العرب وغيرهم وقوله ﴿مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ أى الأقربون، إلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذورا بإسماعيل، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى.
. و " ما " نافية، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبى قبل نبينا ﷺ فالجملة صفة لقوله ﴿قوما﴾ أى : قوما لم تنذروا. وقوله ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ مرتب على الإِنذار...

تفسير هذه الآية من كتب أخرى