فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
ثم ذكر سبحانه قدرته العظيمة، وإنعامه على عبيده، وجحد الكفار لنعمه، فقال :﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أنعاما﴾ والهمزة للإنكار، والتعجيب من حالهم، والواو للعطف على مقدّر كما في نظائره، والرؤية هي القلبية : أي أولم يعلموا بالتفكر والاعتبار ﴿أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم﴾ أي لأجلهم ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ أي مما أبدعناه، وعملناه من غير واسطة ولا شركة، وإسناد العمل إلى الأيدي مبالغة في الاختصاص، والتفرّد بالخلق كما يقول الواحد منا : عملته بيدي للدلالة على تفرّده بعمله، " وما " بمعنى : الذي، وحذف العائد لطول الصلة، ويجوز أن تكون مصدرية، والأنعام جمع نعم، وهي : البقر، والغنم، والإبل، وقد سبق تحقيق الكلام فيها. ثم ذكر سبحانه المنافع المترتبة على خلق الأنعام، فقال :﴿فَهُمْ لَهَا مالكون﴾ أي ضابطون قاهرون يتصرفون بها كيف شاءوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت عنهم، ولم يقدروا على ضبطها، ويجوز أن يكون المراد : أنها صارت في أملاكهم، ومعدودة من جملة أموالهم المنسوبة إليهم نسبة الملك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في معجمه، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل، ففته بيده، فقال : يا محمد أيحيي الله هذا بعد ما أرم ؟ قال :«نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم» فنزلت الآيات من آخر يس ﴿أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ﴾ إلى آخر السورة. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه قال : جاء عبد الله بن أبيّ في يده عظم حائل إلى النبي ﷺ. وذكر مثل ما تقدّم قال ابن كثير : وهذا منكر ؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبيّ إنما كان بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : جاء أبيّ بن خلف الجمحي، وذكر نحو ما تقدّم. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال : نزلت في أبي جهل، وذكر نحو ما تقدّم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى