التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الأقوال التي تدور بين المشركين وبين شركائهم يوم القيامة، فقال - تعالى - :
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ...﴾.
قوله :﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي نجمعهم يوم القيامة للحساب، يقال : حشر القائد جنده، إذا جمعهم للحرب أو لأمر من الأمور.
ويوم ظرف زمان منصوب بفعل مقدر.
والمعنى : واذكر أيها الرسول الكريم أو أيها الإنسان العاقل، يوم نجمع الناس كافة، لنحاسبهم على أعمالهم في الدنيا.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُم﴾ أي : ثم نقول لمشركين منهم في هذا اليوم العصيب، الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم فلا تبرحوه حتى يقضى الله قضاؤه، فيكم، فقوله :﴿مكانكم﴾ ظرف مكان منصوب بفعل مقدر، وقوله ﴿وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ معطوف على ضمير الفعل المقدر، وقوله ﴿أنتم﴾ تأكيد له. أى قفوا مكانكم أنتم وشركاؤكم.
وجاء العطف بثم، للإِشارة إلى أن بين حشرهم ويبن ما يقال لهم، مواقف أخرى فيها من الأهوال ما فيها، فثم هنا للتراخي النسبي.
وقال - سبحانه - ﴿مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ﴾ مع أن المشركين كانوا يعتبرون معبوداتهم شركاء الله - من باب التهكم بهم. وللإِشارة إلى أن ما عبدوهنم لم يكونوا في يوم من الأيام شركاء لله، وإنما المشركون هم الذين وصفوهم بذلك افتراء وكذاب.
وجاء وصفهم بالشرك في حيز الصلة، للإِيذان بأنه أكبر جناياتهم ؛ وأن شركهم بالله - تعالى - هو الذي أدى بهم إلى هذا المصير المؤلم.
وقوله :﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ أى : ففرقنا بينهم، وقطعنا ما بينهم من صلات، وميزنا بعضهم عن بعض كما يميز بين الخصوم عند التقاضى والمساءلة.
وزيلنا : من التزييل بمعنى التمييز والتفريق، يقال : زيلت الشيء أزيله إذا نحيته وأبعدته، ومنه قوله - تعالى - :﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أى : لو تميزوا وتفرقوا.
وعبر بإلفاء للدلالة على أن هذا التفريق والتمييز ؛ قد حدث عقب الخطاب من غير مهلة وجاء الأسلوب بصيغة الماضى مع أن هذا التذييل سيكون في الآخرة، للإِيذان بتحقيق الوقوع، وإلى زيادة التوبيخ والتحسير لهم.
وقوله :﴿وَقَالَ شُرَكَآؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ معطوف على ما قبله.
والمراد بالشركاء ؛ كل ما عبد من دون الله من إنس وجن وأوثان وغير ذلك.
أى : وقال شركاؤهم الذين أشركوهم في العبادة مع الله - تعالى - : إنكم إيها المشركون لم تكونوا لنا عابدين في الدنيا، وإنما كنتم تعبدون أشياء أخرى زينها الشيطان لكم ؛ فانقذتم له بدون تدبر أو تعقل.
والمقصود بقولهم هذا - التبري من المشركين، وتوبيخهم على أفكارهم الفاسدة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى