محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي
عن الكتاب
ثم احتج عليهم أيضا، إفحاما إثر إفحام بقوله تعالى :﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾.
﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق﴾ أي بوجه من الوجوه، كبعثة الرسل، وإبقاء العقل، وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر. ﴿قل الله يهدي للحق أفمن يهدي للحق﴾ وهو تبارك وتعالى ﴿أحق أن يتبع﴾ أي يعبد ويطاع ﴿أمن لا يهدي﴾ أي إلا أن يهديه الله تعالى- نزل منزلة من يعقل لإفحامهم وقيل معناه : أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل. أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء، إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا، فيهديه. وقد قرئ ﴿أمن لا يهدي﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، أصله يهتدي، أدغمت التاء في الدال، ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء ؛ وقرئ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما نقلت الحركة التقى ساكنان، فكسر أولهما للتخلص من التقائهما، وقرئ بسكون / الهاء وبتخفيف الدال، على معنى ( يهتدي ). والعرب تقول : يهدي بمعنى يهتدي. يقال : هديته فهدى أي اهتدى.
وقوله تعالى :﴿فما لكم﴾ مبتدأ وخبره، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي : أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم، فضلا عن هداية غيرهم، شركاء. وقوله :﴿كيف تحكمون﴾ مستأنف، أي كيف تحكمون بالباطل، حيث تزعمون أنهم أندادا الله ؟ !
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: تنبيه :
قال الرازي في هذه الآية :
اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (١) وعن موسى عليه السلام مثله فقال :﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (٢). وأمر محمد ﷺ بذلك فقال :﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق / فسوى * والذي قدر فهدى﴾ (٣). وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله(٤) :﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى(٥) :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية. فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونة عن الكون والفساد. فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية. ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها. وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. اهـ.
﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق﴾ أي بوجه من الوجوه، كبعثة الرسل، وإبقاء العقل، وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر. ﴿قل الله يهدي للحق أفمن يهدي للحق﴾ وهو تبارك وتعالى ﴿أحق أن يتبع﴾ أي يعبد ويطاع ﴿أمن لا يهدي﴾ أي إلا أن يهديه الله تعالى- نزل منزلة من يعقل لإفحامهم وقيل معناه : أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل. أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء، إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا، فيهديه. وقد قرئ ﴿أمن لا يهدي﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، أصله يهتدي، أدغمت التاء في الدال، ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء ؛ وقرئ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، لأنه لما نقلت الحركة التقى ساكنان، فكسر أولهما للتخلص من التقائهما، وقرئ بسكون / الهاء وبتخفيف الدال، على معنى ( يهتدي ). والعرب تقول : يهدي بمعنى يهتدي. يقال : هديته فهدى أي اهتدى.
وقوله تعالى :﴿فما لكم﴾ مبتدأ وخبره، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي : أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم، فضلا عن هداية غيرهم، شركاء. وقوله :﴿كيف تحكمون﴾ مستأنف، أي كيف تحكمون بالباطل، حيث تزعمون أنهم أندادا الله ؟ !
قال الرازي في هذه الآية :
اعلم أن الاستدلال على وجود الصانع بالخلق أولا، ثم بالهداية ثانيا، عادة مطردة في القرآن. فحكى تعالى عن الخليل عليه السلام أنه ذكر ذلك فقال :﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾ (١) وعن موسى عليه السلام مثله فقال :﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ (٢). وأمر محمد ﷺ بذلك فقال :﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق / فسوى * والذي قدر فهدى﴾ (٣). وهو في الحقيقة دليل شريف، لأن الإنسان له جسد وروح، فالاستدلال على وجود الصانع بأحوال الجسد هو الخلق، والاستدلال بأحوال الروح هو الهداية فههنا أيضا، لما ذكر دليل الخلق في الآية الأولى وهو قوله(٤) :﴿أمن يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أتبعه بدليل الهداية في هذه الآية. والمقصود من خلق الجسد حصول الهداية للروح، كما قال تعالى(٥) :﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾، وهذا كان كالتصريح بأنه تعالى إنما خلق الجسد، وإنما أعطى الحواس، لتكون آلة في اكتساب المعارف والعلوم. وأيضا، فالأحوال الجسدية خسيسة يرجع حاصلها إلى الالتذاذ بذوق شيء من الطعوم، أو لمس شيء من الكيفيات الملموسة. أما الأحوال الروحانية، والمعارف الإلهية. فإنها كمالات باقية أبد الآباد، مصونة عن الكون والفساد. فعلمنا أن الخلق تبع للهداية، والمقصود الأشرف الأعلى حصول الهداية. ولاضطراب العقول وتشعب الأفكار كانت الهداية وإدراك الحق بإعانته تعالى وحده. والهداية إما أن تكون عبارة عن الدعوة إلى الحق، أو عن تحصيل معرفتها. وعلى كل فقد بينا أنها أشرف المراتب، وأعلى السعادات، وأنها ليست إلا منه تعالى. وأما الأصنام فإنها جمادات لا تأثير لها في الدعوة إلى الحق، ولا في الإرشاد إلى الصدق، فثبت أنه تعالى هو الموصل إلى جميع الخيرات في الدنيا والآخرة، والمرشد إلى كل الكمالات في النفس والجسد، وأن الأصنام لا تأثير لها في شيء من ذلك، وإذا كان كذلك، كانت عبادتها جهلا محضا، وسفها صرفا. فهذا حاصل الكلام في هذا الاستدلال. اهـ.