المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى ﴿قل هل من شركائكم من يهدي﴾ الآية، ﴿يهدي إلى الحق﴾ يريد به : يبين الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول : أن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها «أمن لا يهتدي إلا أن يهدى » فيتجه المعنى على ما تقدم لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز كثير، وقال بعضهم : هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إلى مناكرة الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة حمزة والكسائي هي «يَهْدي » بفتح الياء وسكون الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وشيبة والأعرج وأبو جعفر «يَهْدّي » بسكون الهاء وتشديد الدال(١)، وقرأ ابن كثير وابن عامر «يَهَدي » بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء «يهتدي » إلى الهاء وأدغمت التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ عاصم في رواية حفص «يَهِدّي » بفتح الياء وكسر الهاء وشد الدال، أتبع الكسرة الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، «يِهِدّي » بكسر الياء والهاء وشد الدال وهذا أيضاً إتباع وقال مجاهد : الله يهدي من الأوثان وغيرها ما شاء.
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. «إلا أن يهَدّي » بفتح الهاء وشد الدال، ووقف القراء ﴿فما لكم﴾، ثم يبدأ ﴿كيف تحكمون﴾(٢).
١ - قال أبو حيان في "البحر": "فجمعوا بين ساكنين"، قال النحاس: "لا يقدر أحد أن ينطق به"، وقال المبرد: من رام هذا لابد أن يحرك حركة خفيفة، وسيبويه يسمى هذا: اختلاس الحركة..
٢ - فيكون قوله تعالى: ﴿فما لكم﴾ كلام تام معناه: أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: ﴿كيف تحكمون﴾ لأنفسكم وتقضون بهذا الباطل الصراح فتعبدون آلهة لا تغني عن أنفسها شيئا، و[كيف] منصوبة بـ[تحكمون]، فالجملة الأولى وهي [مالكم] استفهام معناه الإنكار والتعجب، والجملة الثانية وهي: ﴿كيف تحكمون﴾ استفهام آخر فيه معنى الإنكار والتعجب، وسبب التعجب في الإستفهامين مختلف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى