تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ) يحتمل قوله :( يهدي إلى الحق ) يدعو إلى الحق. فإذا كان هؤلاء الأصنام التي تعبدونها لا يملكون الدعاء إلى شيء، ولا يملكون الضر والنفع، ومن الخلائق من لا يملك النفع والضر، ويملك الدعاء إلى خير أو إلى نفع، فهؤلاء دون الخلائق جميعا ؛ إذ لا يملكون نفعا ولا ضرا، فكيف يملكون [ الدعاء إلى شيء ][ في الأصل وم : الضر والنفع ] ؟ يبين عز وجل سفههم بعبادتهم هؤلاء الأصنام ليعلمهم أنهم لا يملكون نفعا ولا ضرا.
ويحتمل قوله ( من يهدي إلى الحق ) أي يبين، ويقيم الدلائل والبراهين على استحقاق العبادة لهم ؟ فإذا لم يملكوا الدعاء إلى العبادة لهم فكيف يملكون نصب الدلائل والحجج على استحقاق العبادة ؟
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَق ) أخبر أن الله هو الذي يهدي للحق. ثم يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا : هو يملك الدعاء إلى الحق، ويقيم[ في الأصل وم : ويقيموا ] الدلائل والحجج على ما دعا[ في الأصل وم : دعاء ] إليه، وهو يستحق العبادة له والربوبية.
[ وقوله تعالى ][ ساقطة من الأصل وم ] :( أفمن يهدي إلى الحق ) الذي يبين البراهين والحجج ( أحق أن يتبع أمن لا يهدي ) ؟ أي لا يبين، ولا يدعو ( إلا أن يهدى ) فإن قيل : ما معنى الاستثناء، وهو[ في الأصل وم : وهي ]، وإن هدي لا يهدي[ في الأصل وم : يهتدي ] ؟ قيل : يشبه أن يكون هذا صلة ما تقدم من قبله :( ما كنتم إيانا تعبدون )[يونس: ٢٨] ينطقهم الله عز وجل يوم القيامة، فيشهدون عليهم أنهم لم يأمروهم بالعبادة لهم، ولا دعوهم لإشراكهم في العبادة، فيكون قوله :( إلا أن يهدى ) لما أن يجعلهم الله بحيث يهتدون إذا هدوا، ويجيبون إذا دعوا ( فما لكم كيف تحكمون ) ؟ بالجور وصرف العبادة والشكر إلى من لا يملك ما ذكر.
وقوله تعالى :( أَمَّنْ لا يَهدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى ) قال بعضهم :( إلا أن يهدى ) لا يحتمل الصنم والوثن الاهتداء، وإن هُدِيَ، ولكن المراد منه الإنسان. وقال بعضهم :( إلا أن يهدى ) إلا يحمل الصنم، ويوضع. فأما أن يهتديَ هو بنفسه فلا. لكن يحتمل ما ذكرنا إذا صيره بحيث يتكلم ومن جنس ما ينطق، وأذِنَ له في النطق، احتمل الإجابة والاهتداء، والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى