فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿وَمِنْهُمْ من يَسْتَمِعُونَ﴾ الخ بيّن الله سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد، وهي أنهم يستمعون إلى النبيّ ﷺ إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر، ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة ؛ لعدم حصول أثر السماع، وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، ولهذا قال :﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم﴾ يعني : أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صمّ، والصمم مانع من سماعهم، فكيف تطمع منهم بذلك مع حصول المانع، وهو : الصمم، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أنهم لا يعقلون، فإن من كان أصمّ غير عاقل، لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له. وجمع الضمير في يستمعون حملاً على معنى من. وأفرده في ﴿وَمِنهُمْ مَن يَنظُرُ﴾ حملاً على لفظه. قيل : والنكتة : كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين ؛ لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر، من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع، والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله :﴿وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ﴾ ومنهم ناس يستمعون، ومنهم بعض ينظر، والهمزتان في ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي﴾ للإنكار، والفاء في الموضعين للعطف على مقدّر، كأنه قيل : أيستمعون إليك فأنت تسمعهم ؟ أينظرون إليك فأنت تهديهم ؟ والكلام في :﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ كالكلام في ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ الخ ؛ لأن العمى مانع، فكيف يطمع من صاحبه في النظر. وقد انضمّ إلى فقد البصر، فقد البصيرة ؛ لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر، وكذلك الأصمّ العاقل، قد يتحدّس تحدّساً يفيده بعض فائدة، بخلاف من جمع له بين عمى البصر والبصيرة، فقد تعذر عليه الإدراك. وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل، فقد انسدّ عليه باب الهدى، وجواب لو في الموضعين محذوف، دلّ عليهما ما قبلهما، والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله ﷺ، فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه، واستراح من الاشتغال به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ثم بيّن سبحانه أن لكل طائفة حدّاً محدوداً لا يتجاوزونه، فلا وجه لاستعجال العذاب فقال :﴿لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَل﴾ فإذا جاء ذلك الوقت، أنجز وعده وجازى كلاً بما يستحقه، والمعنى : أن لكل أمة ممن قضى بينهم وبين رسولهم، أو بين بعضهم البعض أجلاً معيناً، ووقتاً خاصاً، يحلّ بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند حلوله :﴿إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ﴾ أي : ذلك الوقت المعين، والضمير راجع إلى كل أمة ﴿فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن ذلك الأجل المعين ﴿سَاعَة﴾ أي : شيئاً قليلاً من الزمان ﴿وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عليه، وجملة : لا يستقدمون معطوفة على جملة لا يستأخرون، ومثله قوله تعالى :
﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون﴾ والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدّم في تفسير الآية التي في أوّل الأعراف، فلا نعيده.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله :﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قال : يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه لا يستطيع أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآية. قال : سوء العذاب في حياتك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قوله :﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَسُول فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ﴾ قال : يوم القيامة.
﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون﴾ والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدّم في تفسير الآية التي في أوّل الأعراف، فلا نعيده.
وقد أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، في قوله :﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ قال : يعرف الرجل صاحبه إلى جنبه لا يستطيع أن يكلمه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله :﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآية. قال : سوء العذاب في حياتك ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ وفي قوله :﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَسُول فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ﴾ قال : يوم القيامة.