نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
ولما كان المعنى معلوماً من هذا السياق تقديره : فدعا الرجال(١) المرسلون(٢) إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم(٣) لخلاصهم من الشقاء، وتوعدهم عن(٤) الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات(٥) ويبكتونهم ويستهزئون بهم، واستمر ذلك من حالهم وحالهم، قال مشيراً إلى ذلك :﴿حتى إذا استيئس الرسل﴾ أي يئسوا من النصر يأساً عظيماً كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم ﴿وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ أي فعلوا فعل(٦) اليائس العظيم اليأس(٧) الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال : ما يحبس ما وعدتمونا(٨) به - بإن ذلك أمره إلى الله، (٩) إن شاء(١٠) أنجزه، وإن شاء أخره، ليس علينا من أمره شيء ؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء، واستبطاء(١١) الأولياء ﴿حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه﴾ كما يقول الآئس ﴿متى نصر الله﴾ مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما، هذا(١٢) على قراءة التخفيف، وأما على قراءة التشديد فالتقدير : وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف، روى البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة : أهي بالتشديد أم بالتخفيف ؟ فقالت : إنها بالتشديد، قال قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن، قالت : أجل(١٣)، لعمري لقد استيقنوا بذلك ! فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين(١٤) آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال(١٥) عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك. ﴿جاءهم نصرنا﴾ لهم بخذلان أعدائهم ﴿فنجي(١٦) من نشاء﴾ منهم ومن(١٧) أعدائهم ﴿ولا يرد بأسنا﴾ أي عذابنا لما له من العظمة ﴿عن القوم﴾ أي وإن كانوا في غاية القوة ﴿المجرمين﴾ الذين حتمنا دوامهم(١٨) على القطيعة كما قلنا ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم(١٩) وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم، وكل ذلك إعلام(٢٠) بأن(٢١) سنته جرت بأنه يطيل الامتحان، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار، حثاً للأتباع على الصبر وزجراً للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء.
ومادة " كذب " تدور على ما لا حقيقة له، وأكثر تصاريفها(٢٢) واضح في ذلك، ويستعمل في غير الإنسان، قالوا : كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن، وكذبت(٢٣) العين : خانها حسها(٢٤)، وكذب الرأي : تبين الأمر بخلاف ما هو به، وكذبته نفسه : منته(٢٥) غير الحق، والكذوب : النفس، لذلك، وأكذبت(٢٦) الناقة وكذبت - إذا ضربها الفحل فتشول(٢٧) أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلاً، لأنها أخلفت ظن حملها، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب، أي(٢٨) عد ذلك الصياح عدماً، والمكذوبة من النساء : الضعيفة، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدماً، والمكذوبة(٢٩) على القلب : المرأة الصالحة - كأنها لعزة(٣٠) الصلاح في النساء جعلت عدماً، وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه، كأنه لم يصدق بالذي أنفره، ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده، أو(٣١) لأنه كذب ما(٣٢) ظنه عند الحملة من قتل(٣٣) الأقران، وكذبك(٣٤) الحج(٣٥) أي أمكنك وكذبك الصيد مثله، وهو يؤول إلى(٣٦) الحث لأن(٣٧) المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه، فيكاد أن لا يوجد، وكذا الصيد(٣٨) لشدة فراره(٣٩) وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له، فقد تبين حينئذ وجه كون " كذب " بمعنى الإغراء ولاح(٤٠) أن قوله(٤١) " ثلاثة أسفار كذبن(٤٢) عليكم : الحج والعمرة والجهاد " معناه(٤٣) أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها(٤٤)، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من(٤٥) الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها، ويؤيده(٤٦) ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج مرفوع(٤٧) ومعناه نصب، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد، يريد(٤٨) : ارمه، وقال أبو علي الفارسي(٤٩) في الحجة(٥٠) في قول عنترة :
كذب(٥١) العتيق وماء شن(٥٢) باردإن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي(٥٣)
وإن شئت قلت : إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء(٥٤) والبعث على(٥٥) طلبه وإيجاده(٥٦) صار كأنه قال بقوله لها : عليك العتيق، أي الزميه(٥٧)، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها(٥٨) عما عداه، فيكون العتيق في المعنى مفعولاً به وإن كان لفظه مرفوعاً، مثل " سلام عليكم " ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع، وحكى محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في " كذب العتيق " أن(٥٩) مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى. وأقرب من ذلك جداً وأسهل(٦٠) تناولاً وأخذاً أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون(٦١) الحجاب ما كان لازماً للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره، فمعنى " ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم(٦٢) من أنفسها، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه، والعمرة كل السنة(٦٣) بزوال(٦٤) المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل، والجهاد كل السنة(٦٥) أيضاً لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها، وتخريج(٦٦) مثل : كذبتك الظهائر، وغيره على هذا بين الظهور لا وقفة(٦٧) فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير(٦٨) ويحاول التخلص كان التعبير بهذا(٦٩) من باب الإغراء، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر(٧٠) هذا الإمكان.
١ من م ومد، وفي الأصل و ظ: الرجا- كذا..
٢ زيد من م ومد..
٣ في ظ: قولهم..
٤ من ظ و م ومد، وفي الأصل: من..
٥ من م ومد، وفي الأصل: الأبعاب، وفي ظ: بالابعات- كذا..
٦ من م ومد، وفي الأصل و ظ: أفعال..
٧ زيد من ظ و م ومد..
٨ من م ومد، وفي الأصل و ظ: رعيتمونا..
٩ من ظ و م ومد، وفي الأصل: من..
١٠ زيد من ظ و م ومد..
١١ من م، وفي الأصل و ظ ومد: استبطاوا..
١٢ في ظ: قال..
١٣ في مد: اجعل..
١٤ زيد من الصحيح- كتاب التفسير..
١٥ من الصحيح، وفي الأصول: وطال..
١٦ في م: فننجي- وهي قراءة غير ابن عامر ويعقوب وعاصم- رجع نثر المرجان ٣/٢٨٢..
١٧ من ظ و م ومد، وفي الأصل: منهم..
١٨ من مد، وفي الأصل و ظ و م: دوابهم..
١٩ سورة ١١ آية ٨..
٢٠ من مد، وفي الأصل و ظ و م: بإعلام..
٢١ في ظ: بأنه..
٢٢ زيد من ظ و م ومد..
٢٣ من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: كذب..
٢٤ في ظ: حستها..
٢٥ من م ومد والقاموس، وفي الأصل: منشأ، وفي ظ: مننه..
٢٦ في الأصول: كذبت، ومبنى التصحيح على القاموس..
٢٧ في م: فتسول..
٢٨ من م ومد، وفي الأصل و ظ: إلى..
٢٩ زيد ما بين الحاجزين من ظ و م..
٣٠ من م ومد، وفي الأصل و ظ: لغمرة..
٣١ من م، وفي الأصل و ظ ومد "و"..
٣٢ في مد: مما..
٣٣ من ظ و م ومد، وفي الأصل: قبل..
٣٤ من م ومد والتاج، وفي الأصل: لذلك، وفي ظ: كذلك..
٣٥ زيد بعده في الأصل: إذا أمكنك، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد والتاج فحذفناها..
٣٦ من م، وفي مد: في..
٣٧ من م، وفي مد: ممكن..
٣٨ زيد ما بين الحاجزين من م ومد..
٣٩ في م: نفاره..
٤٠ من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا- كذا..
٤١ أي قول عمر- كما صرح به في النهاية لابن الأثير (كذب)..
٤٢ زيد في م: يعني..
٤٣ العبارة من هنا إلى "أرادها منها" متكررة في الأصل فقط..
٤٤ في ظ: منه..
٤٥ في ظ: عن..
٤٦ في ظ: يؤيد..
٤٧ زيد في النهاية: بكذب..
٤٨ من م والنهاية، وفي الأصل و ظ ومد: يزيد..
٤٩ هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي الأصل..
٥٠ وهو كتاب الحجة في علل القراءات- راجع الأعلام للزركلي وإنباه الرواة ١/٢٧٤..
٥١ من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: ما كذب..
٥٢ من م والتاج، وفي الأصل و ظ ومد: سن..
٥٣ من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: فأدهى- كذا..
٥٤ من ظ و م ومد، وفي الأصل: في الشيء..
٥٥ من ظ و م ومد، وفي الأصل: عن..
٥٦ من ظ و م ومد، وفي الأصل: أجاده..
٥٧ من ظ و م ومد، وفي الأصل: ألزمته..
٥٨ في ظ: إضرابه..
٥٩ من ظ و م ومد، وفي الأصل: أي..
٦٠ في ظ: أشمل..
٦١ من ظ ومد، وفي الأصل: مضون، وفي م: مضون..
٦٢ من م، وفي الأصل و ظ ومد: أمكنتهم..
٦٣ من ظ و م ومد، وفي الأصل: سنة..
٦٤ في م: لزوال..
٦٥ من ظ و م ومد، وفي الأصل: سنة..
٦٦ من ظ و م ومد، وفي الأصل: خرج..
٦٧ في م: وقعة..
٦٨ من ظ و م ومد، وفي الأصل: المغاير..
٦٩ زيد من م ومد..
٧٠ من ظ و م ومد، وفي الأصل: يعسر..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى