تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
وقوله تعالى :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) وكذِّبوا كلاهما لغتان[ انظر معجم القراءات القرآنيةج٣/١٩٧ ].
قال بعضهم : أيس الرسل من إيمان قومهم وعن تصديقهم الرسل ثم يحتمل استيآسهم من إيمانهم لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم بردها[ من م، فلي الأصل : وردوها ]، أيسوا من إيمانهم، وكان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون كقوله :( وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن )الآية[هود: ٣٦] وأمثاله.
وقوله تعالى :( وظنوا أنهم قد كذبوا ) قال بعضهم : وظن[ من م، في الأصل : وظنوا ] الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر النصر، فوقع عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم لكثرة ما أصابهم، وإن كان من الأعداء، فقد استيقن الرسل أنهم قد كذبوهم.
وروي عن عروة بن الزبير أنه سأل عائشة قال : قلت[ في م : فقلت ] أرأيت قول الله :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) ؟ قال : فقالت[ في الأصل وم : فقال ] بل كذبهم قومهم، قال : فقلت[ في الأصل وم : قلت ] آرأيت قول الله :( حتى ) والله لقد استيقنوا أن قومهم قد كذبوا، وما هو بالظن. فقالت : يا عروة لقد استيقنوا بذلك. قال : فقلت[ في الأصل وم : قال ] : فلعلهم ظنوا أنهم قد كذبوا، قالت[ في الأصل وم : قال ] ما عاذ الله، لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها [ قلت : فما ][ في الأصل وم : فما ] هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم، وصدقوه، وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأست الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك.
وقال بعضهم :( حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسل ) من إيمان قومهم ( وظنوا أنهم قد كذبوا ) وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا في ما وعدوا من العذاب أنه نازل لما أبطأ عليهم العذاب.
وقال بعضهم :( وظنوا أنهم ) أي ظن قومهم أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء ( جاءهم نصرنا ).
فإن كانت[ في الأصل وم : كان ] الآية في أتباع الرسل على ما ذكر بعضهم فهو كقوله :( حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ) متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب )[البقرة: ٢١٤] وإن كانت في غيرهم من المكذبين فقد جاء الرسل نصر الله.
وقوله تعالى :( فنجي من نشاء ) من المؤمنين. فهو في ظاهره خبر على المستقبل أنه ينجي من يشاء من هؤلاء المؤمنين.
ويشبه أن يكون على الخبر في أولئك. فإن كان على هذا [ فإنه يجيء ][ في الأصل وم : فيجيء ] أن يكون نجينا من نشاء منهم، [ وأهلكنا من نشاء منهم ][ من م، ساقطة من الأصل ] لكن يجوز هذا في اللغة، أو يكون في الآخرة ؛ ننجي من نشاء.
وقوله تعالى :( ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) أي لا يرد عذابنا إذا نزل عن المجرمين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى