التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
افتتحت سورة يوسف - عليه السلام - ببعض الحروف المقطعة. وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء في هذه الحروف في سورة البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود.
وقلنا ما ملخصه : لعل أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور على سبيل الايقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن الكريم.
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين في أن القرآن من عند الله - تعالى - : هاكم ترونه مؤلفا من كلام هو من جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هي من جنس الحروف الجهائية التي تنظمون منها حروفكم.. فإن كنتم في شك من كونه منزلا من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم في ذلك.
ومما يشهد لصحة هذا الرأى : أن الآيات التي تلى هذه الحروف المقطعة تراها تتحدث - صراحة أو ضمنا - عن القرآن الكريم وعن كونه من عند الله - تعالى - وعن كونه معجزة للرسول - ﷺ - ففى مطلع سورة البقرة :﴿الاما. ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ...﴾ وفى مطلع سورة آل عمران :﴿الاما. الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم. نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل..﴾ وفى أول سورة يونس :﴿الار تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم. أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ...﴾ وفى أول سورة هود :﴿الار كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ...﴾ وهكذا نجد أن معظم الآيات التي تلى الحروف المقطعة، منها ما يتحدث عن أن هذا الكتاب من عند الله - سبحانه - ومنها ما يتحدث عن وحدانية الله - تعالى -، ومنها ما يتحدث عن صدق الرسول - ﷺ - في دعوته..
وهذا كله لتنبيه الغافلين إلى أن هذا القرآن من عند الله، وأنه المعجزة الخالدة للرسول - ﷺ -.
ثم قال - تعالى - :﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾
و " تلك " اسم إشارة، المشار إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن الكريم ويندرجح فيها آيات السورة التي معنا.
والكتاب : مصدر كتب كالكتب. وأصل الكتب ضم أديم إلى آخر بالخياطة. واستعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، والمراد به القرآن الكريم.
والمبين : أى الواضح الظاهر من أبان بمعنى بان أى ظهر.
والمعنى : تلك الآيات التي نتلوها عليك - أيها الرسول الكريم - في هذه السورة اوفى غيرها، هي آيات الكتاب الظاهر أمره، الواضح إعجازه، بحيث لا تشتبه على العقلاء حقائقه، ولا تلتبس عليهم هداياته.
وصحت الإِشارة إلى آيات الكتاب الكريم، مع أنها لم تكن قد نزلت جميعها، لأن الإِشارة إلى بعضها كالإِشارة إلى جميعها، حيث كانت بصدد الإِنزال، ولأن الله - تعالى - قد وعد رسوله - ﷺ - بنزول القرآن عليه، كما في قوله ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ووعد الله - تعالى - لا يتخلف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى