فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
يقال :( نُسوة ) بضم النون، وهي قراءة الأعمش، والفضل وسليمان. ويقال :﴿نسوة﴾ بكسر النون، وهي قراءة الباقين، والمراد جماعة من النساء، ويجوز التذكير في الفعل المسند إليهنّ كما يجوز التأنيث. قيل : وهي امرأة ساقي العزيز وامرأة خبازه، وامرأة صاحب دوابه، وامرأة صاحب سجنه، وامرأة حاجبه. والفتى في كلام العرب : الشاب، والفتاة : الشابة، والمراد به هنا : غلامها، يقال : فتاي وفتاتي أي : غلامي وجاريتي، وجملة ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّا﴾ في محل رفع على أنها خبر ثانٍ للمبتدأ، أو في محل نصب على الحال، ومعنى ﴿شغفها حباً﴾ : غلبها حبه، وقيل : دخل حبه في شغافها. قال أبو عبيدة : وشغاف القلب غلافه وهو جلدة عليه. وقيل : هو وسط القلب، وعلى هذا يكون المعنى : دخل حبه إلى شغافها فغلب عليه، وأنشد الأصمعي قول الراجز :
يتبعها وهي له شغاف ***. . .
وقرأ جعفر بن محمد، وابن محيصن، والحسن ( شعفها ) بالعين المهملة. قال ابن الأعرابي : معناه أجرى حبه عليها. وقرأ غيرهم بالمعجمة. قال الجوهري : شغفه الحبّ : أحرق قلبه. وقال أبو زيد : أمرضه. قال النحاس : معناه عند أكثر أهل اللغة : قد ذهب بها كل مذهب، لأن شغاف الجبال : أعاليها، وقد شغف بذلك شغفاً بإسكان الغين المعجمة : إذا ولع به، وأنشد أبو عبيدة بيت امرئ القيس :
أتقتلني وقد شغفت فؤادهاكما شغف المهنوة الرجل الطالي
قال : فشبهت لوعة الحب بذلك. وقرأ الحسن :( قد شغفها ) بضم الغين. قال النحاس : وحكي قد شغفها بكسر الغين، ولا يعرف ذلك في كلام العرب إلاّ شغفها بفتح الغين ؛ ويقال : إن الشغاف الجلدة اللاصقة بالكبد التي لا ترى، وهي الجلدة البيضاء، فكأنه لصق حبه بقلبها كلصوق الجلدة بالكبد، وجملة ﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضلال مُّبِينٍ﴾ مقرّرة لمضمون ما قبلها. والمعنى : إنا لنراها، أي : نعلمها في فعلها هذا، وهو المراودة لفتاها في ضلال عن طريق الرشد والصواب مبين : واضح لا يلتبس على من نظر فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ غلبها. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ قال : قتلها حب يوسف، الشغف : الحبّ القاتل، والشغف : حبّ دون ذلك، والشغاف : حجاب القلب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿قَدْ شَغَفَهَا﴾ قال : قد علقها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال : بحديثهنّ. وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ قال : بعملهن، وكل مكر في القرآن فهو عمل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في قوله :﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ﴾ قال : هيأت لهن مجلساً، وكان سنتهم إذا وضعوا المائدة أعطوا كل إنسان سكيناً يأكل بها ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ﴾ قال : فلما خرج عليهن يوسف ﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ قال : أعظمنه ونظرن إليه، وأقبلن يحززن أيديهنّ بالسكاكين وهنّ يحسبن أنهن يقطعن الطعام. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ متكأ﴾ قال : أعطتهنّ أترنجا، وأعطت كل واحدة منهنّ سكيناً، فلما رأين يوسف أكبرنه، وجعلن يقطعن أيديهنّ وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترنج. وأخرج مسدد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه عنه : المتكأ : الأترنج، وكان يقرأها خفيفة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد ﴿متكأ﴾ قال : طعاماً. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر عنه قال : هو الأترنج. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال : هو كل شيء يقطع بالسكين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن الضحاك مثله. وأخرج أبو الشيخ من طريق عبد العزيز بن الوزير بن الكميت بن زيد قال : حدّثني أبي، عن جدّي يقول في قوله :﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ قال : أمنين. وأنشد :
ولما رأته الخيل من رأس شاهقصهلن وأمنين المنى المدفقا
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده ابن عباس في قوله :﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ قال : لما خرج عليهنّ يوسف حضن من الفرح، وذكر قول الشاعر الذي قدّمنا ذكره :
نأتي النساء لدى أطهارهنّ ***...
البيت. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله :﴿أَكْبَرْنَهُ﴾ قال : أعظمنه ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال : حزّا بالسكين حتى ألقينها ﴿وَقُلْنَ حاشا لِلَّهِ﴾ قال : معاذ الله. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة في قوله :﴿إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ قال : قلن ملك من الملائكة من حسنه. وأخرج أبو الشيخ عن منبه عن أبيه قال : مات من النسوة التي قطعن أيديهنّ تسع عشرة امرأة كمداً. وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والحاكم عن أنس، عن النبيّ ﷺ قال :( أعطي يوسف وأمه شطر الحسن )، وقد وردت روايات عن جماعة من السلف في وصف حسن يوسف ؛ والمبالغة في ذلك، ففي بعضها أنه أعطي نصف الحسن، وفي بعضها ثلثه، وفي بعضها ثلثيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عباس ﴿فاستعصم﴾ قال : امتنع. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة ﴿فاستعصم﴾ قال : فاستعصى. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله :﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى كَيْدَهُنَّ﴾ قال : إن لا تكن منك أنت القوي والمنعة لا تكن مني ولا عندي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ قال : أتبعهنّ. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : أطاوعهنّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى