فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
هذا هو بيان ما طلباه منه من تعبير رؤياهما. والمراد بقوله :﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ هو الساقي، وإنما أبهمه لكونه مفهوماً أو لكراهة التصريح للخباز بأنه الذي سيصلب ﴿فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا﴾ أي : مالكه، وهي عهدته التي كان قائماً بها في خدمة الملك، فكأنه قال : أما أنت أيها الساقي فستعود إلى ما كنت عليه ويدعو بك الملك ويطلقك من الحبس ﴿وَأَمَّا الآخر﴾ وهو الخباز ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ﴾ تعبيراً لما رآه من أنه يحمل فوق رأسه خبزاً فتأكل الطير منه ﴿قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ وهو ما رأياه وقصاه عليه، يقال : استفتاه إذا طلب منه بيان حكم شيء سأله عنه مما أشكل عليه، وهما قد سألاه تعبير ما أشكل عليهما من الرؤيا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله :﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ قال : أتاه فقال : رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت، فخرج فيه عناقيد فعصرتهنّ ثم سقيتهنّ الملك ؛ فقال : تمكث في السجن ثلاثة أيام، ثم تخرج فتسقيه خمراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال : ما رأى صاحبا يوسف شيئاً، إنما تحالما ليجرّبا علمه. فلما أوّل رؤياهما قالا : إنما كنا نلعب، ولم نرَ شيئاً، فقال :﴿قُضِىَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ يقول : وقعت العبارة فصار الأمر على ما عبر يوسف. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز قال : كان أحد اللذين قصا على يوسف الرؤيا كاذباً. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن ابن ساباط ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذكرني عِندَ رَبّكَ﴾ قال : عند ملك الأرض. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :( لو لم يقل يوسف الكلمة التي قال، ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله ). وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة مرفوعاً نحوه، وهو مرسل، وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن مرفوعاً نحوه. وهو مرسل. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ عن قتادة فذكر نحوه، وهو مرسل أيضاً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أنس قال : أوحي إلى يوسف : من استنقذك من القتل حين همّ إخوتك أن يقتلوك ؟ قال : أنت يا ربّ، قال : فمن استنقذك من الجبّ إذ ألقوك فيه ؟ قال : أنت يا ربّ، قال : فمن استنقذك من المرأة إذ همت بك ؟ قال : أنت يا ربّ، قال : فما لك نسيتني، وذكرت آدمياً ؟ قال : جزعاً، وكلمة تكلم بها لساني، قال : فوعزتي لأخلدنك في السجن بضع سنين، فلبث فيه سبع سنين، وقد اختلف السلف في تقدير مدّة لبثه في السجن على حسب ما قدّمنا ذكره، فلم نشتغل ها هنا بذكر من قال بذلك ومن خرّجه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى