اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ ياأبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل﴾ فيه قولان :
أحدهما : أنَّهُم لما طلبوا الطعام لأبيهم وللأخ الباقي عند أبيهم، منعوا منه.
والثاني : أنَّه منع الكيل في المستقبلِ، وهو قول يوسف :﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ [يوسف: ٦٠]، قال الحسنُ رحمه الله : معناه : يمنعُ منَّا الكيل إنْ لم نحمل أخانا معنا، وهذا أولى ؛ لأنه لم يمنعهُم الكيل ؛ بل اكتالَ لهم، وجهَّزهم، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى :﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾، والمراد بالكَيْلِ : الطعامُ ؛ لأنه يكالُ.
قوله :" نَكْتَلْ " قرأ الأخوان : بالياءِ من تحتُ، أي : يَكِيلُ أخونا.
والباقون بالنون، أي : نَكِيلُ نحنُ، وهو الطعامُ، وهو مجزومٌ على جواب الأمرِ.
ويحكى أنَّه جرى بحضرةِ المتوكِّل، أو وزيره ابن الزَّيات : بين المازنِيّ، وابنِ السِّكيت مسألةٌ، وهي : ما وزنُ " نَكْتَل " ؟ فقال يعقوبُ : نَفْتَل، فَسَخِرَ بِهِ المازني وقال : إنَّما وزنُها نَفْتَعِل.
قال شهابُ الدِّين رحمه الله :" وهذا ليس بخطأح لأنَّ التَّصريفيين نصُّوا على أنَّه إذا كان في الكلمةِ حذفٌ أو قلبٌ حذفت في الزنة، وقلبت، فتقول في وزن : قُمْتُ، وبعِْتُ : فُعْتُ، وفِعْتُ، ووزن " عِدَة " " عِلَة "، وإن شئت أتيتَ بالأصل ؛ فعلى هذا لا خطأ في قوله : وزن " نَكْتَلْ " : نَفْتَل ؛ لأنه اعتبر اللفظ، لا الأصل، ورأيت في بعض الكتب أنَّ وزنها :" نَفْعَل " بالعينِ، وهذا خطأٌ محضٌ، على أنَّ الظاهر من أمر يعقوب أنه لم يتقنْ هذا، ولو أتقنه لقال : وزنه على الأصل كذا، وعلى اللفظ كذا، ولذلك أنحى عليه المازنيُّ، فلم يرد عليه بشيء ".
ثم قال سبحانه وتعالى :﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ضمنوا كونهم حافظين له : لما قالوا ذلك، قال يعقوب عليه الصلاة والسلام ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ والمعنى : أنكم ذكرتم مثل هذا الكلام في يوسف، وضمنتم لي حفظه حيث قلت :﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وهاهنا ذكرتم هذا اللفظ بعينه، فهل يكون هاهنا إلا ما كان هناك، فكما لا يحصل الأمانُ هناك لا يحصلُ هنا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى