زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي : أعرض عن ولده أن يطيل معهم الخطب، وانفرد بحزنه، وهيج عليه ذكر يوسف ﴿وَقَالَ يا أسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ قال ابن عباس : يا طول حزني على يوسف. قال ابن قتيبة : الأسف : أشد الحسرة. قال سعيد بن جبير : لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء قبلهم ﴿إِنَّا لِلَّهِ وإنا إِلَيْهِ راجِعونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب ؛ إذ يقول :﴿يا أسفى على يوسف﴾.
فإن قيل : هذا لفظ الشكوى : فأين الصبر ؟
فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنه شكا إلى الله تعالى، لا منه.
والثاني : أنه أراد به الدعاء، فالمعنى : يا رب ارحم أسفي على يوسف. وذكر ابن الأنباري عن بعض اللغويين أنه قال : نداء يعقوب الأسف في اللفظ من المجاز الذي يعنى به غير المظهر في اللفظ، وتلخيصه : يا إلهي ارحم أسفي، أو أنت راء أسفي، وهذا أسفي فنادى الأسف في اللفظ، والمنادى في المعنى سواه، كما قال :" يا حسرتنا " والمعنى : يا هؤلاء تنبهوا على حسرتنا، قال : والحزن ونفور النفس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم ولم يشك إلا إلى ربه، فلما كان قوله :" يا أسفى " شكوى إلى ربه، كان غير ملوم. وقد روي عن الحسن أن أخاه مات، فجزع الحسن جزعا شديدا، فعوتب في ذلك، فقال : ما وجدت الله عاب على يعقوب الحزن حيث قال :﴿يا أسفى على يوسف﴾.
قوله تعالى :﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي : انقلبت إلى حال البياض. وهل ذهب بصره، أم لا ؟ فيه قولان :
أحدهما : أنه ذهب بصره، قاله مجاهد.
والثاني : ضعف بصره لبياض تغشاه من كثرة البكاء، ذكره الماوردي وقال مقاتل : لم يبصر بعينيه ست سنين.
قال ابن عباس : وقوله :" من الحزن " أي : من البكاء، يريد أن عينيه ابيضتا لكثرة بكائه، فلما كان الحزن سببا للبكاء، سمي البكاء حزنا. وقال ثابت البناني : دخل جبريل على يوسف، فقال : أيها الملك الكريم على ربه، هل لك علم بيعقوب ؟ قال : نعم. قال : ما فعل، قال : ابيضت عيناه، قال : ما بلغ حزنه ؟ قال : حزن سبعين ثكلى، قال : فهل له على ذلك من أجر ؟ قال : أجر مائة شهيد. وقال الحسن البصري :
ما فارق يعقوب الحزن ثمانين سنة، وما جفت عينه، وما أحد يومئذ أكرم على الله منه حين ذهب بصره.
قوله تعالى :﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الكظيم بمعنى الكاظم، وهو الممسك على حزنه فلا يظهره، قاله ابن قتيبة : وقد شرحنا هذا عند قوله :﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى