اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
فقال يعقوب عليه الصلاة والسلام :﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾ والبَثُّ : أشدُّ الحزن، كأنَّه لقوته لا يطاق حمله، فيبثه الإنسان، أي : يفرِّقه، ويذيعه وقد تقدَّم [آل عمران: ١٨٦] أنَّ أصل هذه المادَّة الدلالة على الانتشار، وجوَّز فيه الرَّاغب هنا وجهين :
أحدهما : أنه مصدر في معنى المعفولِ، قال :" أي : غمّي الذي يبثه عن كتمانٍ، فهو مصدر في تقدير مفعول، أو يعني غمِّي الذي بثَّ فكري، فيكون في معنى الفاعل ".
وقرأ الحسن وعيسى " وحَزَنِي " بفتحتين، و قتادة بضمتين، وقد تقدم.

فصل


المعنى : أن يعقوب عليه السلام لما رأى غلظتهم، قال : إنَّما أشكو شدَّة حزني إلى الله، وسمَّى شدَّة الحزن بثًّا ؛ لأنَّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثه، أي :[ يظهره ].
وقال الحسن : بَثِّي، اي : حاجتي، والمعنى : أنَّ هذا الذي أذكره لا أذكره معكم، وإنَّما أذكره في حضرةِ الله تعالى والإنسان إذا ذكر شكواه إلى الله تعالى كان في زمرة المحققين.
وروي أنَّهُ قيل له : يا يعقوب، ما الذي أذهب بصرك، وقوَّص ظهرك ؟ قال : أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوس ظهري حزني على أخيه ؛ فأوحى الله إليه : أتشكوني وعزتي لا أكشف ما بك حتى تدعوني، فعند ذلك قال :﴿إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى الله﴾ ثم قال :﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي : أعلمُ من رحمته وإحسانه ما لا تعلمون، وهو أنَّه تعالى يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسبه، وهو إشارة إلى أنه كان يتوقَّع رجوع يوسف إليه، وذكروا لسبب هذا التوقع وجوهاً :
أحدها : أنَّ ملك الموت أتاهُ فقال له : يا مالك الموت ! هل قبضت روح ابني يوسف قال : لا يا نبيَّ الله، ثمَّ أشار إلى جانب مصر، وقال : اطلبهُ هاهنا.
وثانيها : أنه علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنَّها صادقةٌ، وأنا وأنتم سنسجد له.
وثالثها : لعلَّه تعالى أوحى إليه أنَّه سيوصله إليه، ولكنَّه تعالى ما عيَّن الوقت ؛ فلهذا بقي في القلب.
ورابعها : قال السديُّ : لما أخبره بنوه بسيرة الملك، وحاله في أقواله، وأفعاله ؛ طمع أن يكون هو يوسف، وقال : لا يبعدُ أن يملك الكفَّار مثلُ هذا.
وخامسها : علم قطعاً أن بنيامين لا يسرقُ، وسمع أنَّ الملك ما آذاه، ولا ضربه ؛ فغلب على [ ظنه ] أنَّ ذلك الملك هو يوسف عليه السلام،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى