روح المعاني — الألوسي
عن الكتاب
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى﴾ البث في الأصل إثارة الشيء وتفريقه كبث الريح التراب واستعمل في الغم الذي لا يطيق صاحبه الصبر عليه كأنه ثقل عليه فلا يطيق حمله وحده فيفرقه على من يعينه، فهو رمصد بمعنى المفعول وفيه استعارة تصريحية. وجوز أن يكون بمعنى الفاعل أي الغم الذي بث الفكر وفرقه، وأياماً كان فالظاهر أن القوم قالوا ما قالوا بطريق التسلية والاشكاء فقال في جوابهم : إني لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم حتى تتصدوا لتسليتي وإنما أشكو غمي ﴿وَحُزْنِى إِلَى الله﴾ تعالى متلجئاً إلى جنابه متضرعاً في دفعه لدى بابه فإنه القادر على ذلك. وفي الخبر عن ابن عمر قال :«قال رسول الله ﷺ من كنوز البر اخفاء الصدقة وكتمان المصائب والأمراض ومن بث لم يصبر » وقرأ الحسن. وعيسى ﴿*حزني﴾ بفتحتين وقرأ قتادة بضمتين.
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله﴾ من لطفه ورحمته ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي، فالكلام على حذف مضاف و ﴿مِنْ﴾ بيانية قدمت على المبين وقد جوزه النحاة. وجوز أن تكون ابتدائية أي أعلم ويحا أو الهاماً أو بسبب من أسباب العلم من جهته تعالى ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام.
قيل : إنه عليه السلام علم ذلك من الرؤيا حسبما تقدم، وقيل إنه رأى ملك الموت في المنام فأخبره أن يوسف حي ذكره غيره واحد ولم يذكروا له سنداً والمروى عن ابن أبي حاتم عن النضر أنه قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أيوسف عليه السلام حي أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه السلام فقال له : من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت فقال : أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روح يوسف ؟ قال : لا فعند ذلك قال عليه السلام :﴿يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ﴾.
( ومن باب الإشارة ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثي وحُزني إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] أي أنا لا أشكو إلى غيره فإني أعلم غيرته سبحانه وتعالى على أحبابه وأنتم لا تعلمون ذلك، وأيضاً من انقطع إليه تعالى كفاه ومن أناخ ببابه أعطاه، وأنشد ذو النون :
وعلى هذا درج العاشقون إذا اشتد بهم الحال فزعوا إلى الملك المتعال، ومن ذلك :
وقد يقال : إنه عليه السلام إنما رفع قصة شكواه إلى عالم سره ونجواه استرواحاً مما يجده بتلك المناجاة كما قيل :
﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله﴾ من لطفه ورحمته ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي، فالكلام على حذف مضاف و ﴿مِنْ﴾ بيانية قدمت على المبين وقد جوزه النحاة. وجوز أن تكون ابتدائية أي أعلم ويحا أو الهاماً أو بسبب من أسباب العلم من جهته تعالى ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام.
قيل : إنه عليه السلام علم ذلك من الرؤيا حسبما تقدم، وقيل إنه رأى ملك الموت في المنام فأخبره أن يوسف حي ذكره غيره واحد ولم يذكروا له سنداً والمروى عن ابن أبي حاتم عن النضر أنه قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أيوسف عليه السلام حي أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه السلام فقال له : من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت فقال : أنشدك بإله يعقوب هل قبضت روح يوسف ؟ قال : لا فعند ذلك قال عليه السلام :﴿يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ﴾.
( ومن باب الإشارة ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثي وحُزني إِلَى الله وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٨٦] أي أنا لا أشكو إلى غيره فإني أعلم غيرته سبحانه وتعالى على أحبابه وأنتم لا تعلمون ذلك، وأيضاً من انقطع إليه تعالى كفاه ومن أناخ ببابه أعطاه، وأنشد ذو النون :
| إذا ارتحل الكرام إليك يوما | ليلتمسوك حالاً بعد حال فإن |
| رحالنا حطت رضاء | بحكمك عن حلول وارتحال |
| فسسنا كيف شئت ولا تكلنا | إلى تدبيرنا يا ذا المعالي |
| إلى الله أشكو ما لقيت من الهجر | ومن كثرة البلوى ومن ألم الصبر |
| ومن حرق بين الجوانح والحشا | كجمر الغضا لا بل أحر من الجمر |
| إذا ما تمنى الناس روحاً وراحة | تمنيت أن أشكو إليه فيسمع |