نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي

عن الكتاب
فكأنه قيل : ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم ؟ فقيل :﴿قال﴾ قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ﴿لا تثريب﴾ أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك ﴿عليكم اليوم﴾ وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب(١)، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده !
ومادة " ثرب " تدور على البرث(٢) - بتقديم الموحدة، وهو أسهل الأرض وأحسنها(٣) ؛ والثبرة - بتقديم المثلثة : أرض ذات حجارة بيض، فإنه يلزمه الإخلاد، والدعة، ومنه : ثابر على الأمر : داوم، والمثبر - كمنزل : لمسقط(٤) الولد أي موضع ولادته، والمقطع والمفصل، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد، ومنه الثبور للهلاك، والبثر(٥) بتقديم الموحدة : خراج معروف : والماء البثر(٦) : الذي بقى منه(٧) على الأرض شيء قليل ؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضاً : حبس الإنسان، وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضاً ؛ والتثريب : التقرير بالذنب، فهو(٨) إزالة ما على الإنسان(٩) من ساتر(١٠) العفو، من الثرب(١١) وهو شحم يغشى الكرش(١٢) والأمعاء ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، فالتثريب إزالته، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة الهلاك.
ولما أعفاهم من الترثيب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله، فأتبعه الجواب(١٣) عن ذلك بالدعاء لهم بقوله :﴿يغفر الله﴾ أي الذي له صفات الكمال ﴿لكم﴾ أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا ؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص(١٤) التوبة، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال :﴿وهو﴾ أي وحده ﴿أرحم الراحمين﴾ أي لجميع(١٥) العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا(١٦) إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي لما فرط منا، فقال : إن أهل مصر ينظرونني(١٧) - وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع(١٨) بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي، وأني من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام.
١ من ظ، وفي الأصل و م ومد: التأنيث- كذا..
٢ من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: الثرب- كذا..
٣ في ظ: أسهلها..
٤ من م، وفي الأصل و ظ ومد: المسقط..
٥ زيد من م ومد..
٦ من م واللسان، وفي الأصل و ظ ومد: الثبر..
٧ من ظ و م ومد، وفي الأصل: معه..
٨ من م ومد، وفي الأصل و ظ: وهو..
٩ من م، وفي الأصل: وأساير، وفي ظ ومد: من ساير..
١٠ من م، وفي الأصل: وأساير، وفي ظ ومد: من ساير..
١١ في م: الترب..
١٢ من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: الكرس..
١٣ سقط من ظ و م..
١٤ من م، وفي الأصل و ظ ومد: خلاص..
١٥ من م ومد، وفي الأصل و ظ: جميع..
١٦ من ظ، وفي الأصل: لدعوتنا، وفي م ومد: تدعونا..
١٧ من ظ و م ومد، وفي الأصل: لم ينظرونني- كذا..
١٨ زيد من م..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى