الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه : إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه. فإن قلت بم تعلق اليوم ؟ قلت : بالتثريب، أو بالمقدر في ﴿عَلَيْكُمْ﴾ من معنى الاستقرار. أو بيغفر. والمعنى : لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال ﴿يَغْفِرُ الله لَكُمْ﴾ فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال : غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، ومنه قول المشمت «يهديكم الله ويصلح بالكم » و ﴿اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ﴾ بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم. وروي : أن رسول الله ﷺ أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش : ما ترونني فاعلاً بكم ؟ قالوا : نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم ؛ وقد قدرت فقال : أقول ما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم. وروي : أنّ أبا سفيان لما جاء ليسلم قال له العباس : إذا أتيت الرسول فاتل عليه ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ﴾ ففعل، فقال رسول الله ﷺ :
« غفر الله لك ولمن علمك » ويروى أن إخوته لما عرفوه وأرسلوا إليه : إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية، ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك، فقال يوسف : إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم، فإنهم ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي. وأني من حفدة إبراهيم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى