ﮓﮔﮕﮖ

ولما ذكر نعيم أهل الخير أردفه عقاب أهل الشر، فقال : وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية يقال : خف ميزانه : أي سقطت قيمته، فكأنه ليس بشيء حتى لو وضع في كفة ميزان لم يرجح بها على أختها، ومن كان في الدنيا كثير الشر، قليل فعل الخير، فدسّى نفسه بالشرك واجتراح المعاصي، وعاث في الأرض فسادا، لم يكن شيئا، فلا ترجح له كفة ميزان لو وضع فيها.
وعلى الجملة فعلينا أن نؤمن بما ذكره الله من الميزان في هذه الآية، وفي قوله : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة [ الأنبياء : ٤٧ ] ومن وزن الأعمال، وتمييز مقدار لكل عمل، وليس علينا أن نبحث وراء ذلك، فلا نسأل كيف يزن، ولا كيف يقدر ؟ فهو أعلم بغيبه، ونحن لا نعلم.
أما أن الميزان له لسان وكفتان فهذان لم يرد به نص عن المعصوم يلزمنا التصديق به، وكيف يوزن بهذا الميزان الذي تعلّمه الإنسان في مهد البداوة الأولى، ويترك ما هو أدق منه مما اخترع فيما بعد وهدي إليه الناس، على أن جميع ما عمله البشر، فهو ميزان للأثقال الجسمانية لا ميزان للمعاني المعقولة كالحسنات والسيئات، فلنفوض أمر ذلك إلى عالم الغيب.
والمراد من كون أمه هاوية : أن مرجعه الذي يأوي إليه مهواة سحيقة في جهنم يهوي فيها، كما يأوي الولد إلى أمه، قال أمية بن أبي الصلت :

فالأرض معقلنا وكانت أمنا فيها مقابرنا وفيها نولد

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير