قوله : لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . في «مَا » هذه في هذه السورة وجهان :
أحدهما : أن تكون بمعنى «الذي ».
والثانية : فالأمر فيها واضح ؛ لأنها لغير عقلاء. و «ما » أصلها أن تكون لغير العقلاء، وإذا أريد بها الباري - تعالى - كما في الثانية والرابعة، فاستدلّ به من جوز وقوعها على أولي العلمِ، ومن منع جعلها مصدرية، والتقدير : ولا أنتم عابدون عبادتي، أي : مثل عبادتي.
وقال أبو مسلم :«ما » في الأوليين بمعنى «الذي »، والمقصود : المعبود، و «ما » في الأخريين مصدرية، أي : لا أعبد عبادتكم المبنية على الشَّك وترك النظر، ولا أنتم تعبدون مثل عبادتي المبنية على اليقين، فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أقوال : أنها كلَّها بمعنى «الذي »، أو مصدرية، أو الأوليان بمعنى الذي، والثالثة والرابعة مصدرية، لكان حسناً، حتى لا يلزم وقوع «ما » على أولي العلم، وهو مقتضى من يمنع وقوعها على أولي العلم، كما تقدم.
فصل في التكرار في الآية
اختلفوا في التَّكرار - هاهنا- هل هو للتأكيد، أم لا ؟ وإذا لم يكن للتأكيد فقوله تعالى : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ تأكيد لقوله لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وقوله : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ثانياً تأكيد لقوله : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ أولاً. ومثله : فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرحمن : ١٣ ]، و وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ في سورتيهما، و كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ [ التكاثر : ٣، ٤ ]، و كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ [ النبأ : ٤ ٥ ] وفي الحديث :«فَلاَ آذَنُ ثُمَّ لا آذنُ، إنَّما فَاطِمةُ بَضعَةٌ منِّي »١ ؛ وقال الشاعر :[ مجزوء الكامل ]
| ٥٣٣٠- هَلاَّ سَألْتَ جُموعَ كِنْ | دّةَ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيْنَا٢ |
| ٥٣٣١- يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ يَا عَلْقَمَهْ | خَيْرَ تَمِيمٍ كُلِّهَا وأكْرمَهْ٣ |
| ٥٣٣٢- يَا أقَرعُ بْنُ حَابِسٍ يَا أقْرَعُ | إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ٤ |
٥٣٣٣- ألا يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي*** ثَلاثَ تَحِيَّاتٍ وإنْ لَمْ تَكَلَّمِ٥
وقوله :[ الرجز ]
٥٣٣٤- يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَرٌ يَا جَعْفَر*** إنْ أكُ دَحْدَاحَاً فأنت أقْصَرُ٦
وقوله :[ المديد ]
| ٥٣٣٥- يَا لَبكْرٍ أنْشِرُوا لِي كُلَيْبَاً | يَا لَبكْرٍ أيْنَ أيْنَ الفِرَارُ٧ |
وقيل : هذا على مطابقة قولهم : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك [ ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك، ثم تعبد آلهتنا ونعبد إلهك ]٨، فنجري على هذا أبداً سنة وسنةً، فأجيبوا عن كل ما قالوه بضده، أي : أن هذا لا يكون أبداً.
وقال جماعة : ليس للتأكيد، فقال الأخفش :«لا أعبدُ » الساعة «مَا تَعْبُدُونَ، ولا أنْتُم عَابِدُونَ » السنة «ما أعبدُ »، فلا أنا عابد في المستقبل ما عبدتم، ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أعبد ؛ فزال التوكيد ؛ إذ قد تقيد كل جملة بزمان مغاير ؛ انتهى.
وفيه نظر، كيف يقيد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفي عبادته لما يعبدون بزمان ؟ هذا مما لا يصح، وفي أسباب النزول أنهم سألوه أن يعبد آلهتهم سنة، فنزلت، فكيف يستقيم هذا ؟
وجعل أبو مسلم التغاير بما تقدم عنه، وهو كون «ما » في الأوليين بمعنى «الذي »، وفي الأخريين : مصدرية، وفيه نظر من حيث إن التكرار إنَّما هو من حيث المعنى، وهذا موجود، كيف قدر «مَا ».
وقال ابن عطية٩ : لما كان قوله :«لا أعْبدُ » محتملاً أن يراد به الآن، ويبقى المستقبل منتظراً ما يكون فيه، جاء البيان بقوله : وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ أبداً وما حييت، ثم جاء قوله : وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون أبداً كالذي كشف الغيب، كما قيل لنوح - عليه الصلاة والسلام - : لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ [ هود : ٣٦ ]، فهذا معنى التَّرديد في هذه السورة، وهو بارع الفصاحة، وليس بتكرار فقط ؛ بل فيه ما ذكرته. انتهى.
وقال الزمخشريُّ١٠ :«لا أعبد » أريد به العبادة فيما يستقبل ؛ لأن «لا » لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن «أن » لا تدخل إلاَّ على مضارع في معنى الحال، ألا ترى [ أنَّ «لَنْ » تأكيد فيما تنفيه «لا ».
وقال الخليل في «لن » : إن أصله :] ١١ «لا أن »، والمعنى : لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم، ولا أنتم فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ أي : ما كنت قط عابداً فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني : لم تعهد مني عبادة صنمٍ في الجاهلية، فيكف ترجى مني في الإسلام ؛ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ أي : وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته.
فإن قلت : فهلاَّ قيل : ما عبدت، كما قيل : ما عبدتم ؟ قلت : لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، وهو لم يكن ليعبد الله - تعالى - في ذلك الوقت. فإن قلت : فلم جاء على «ما » دون «من » ؟ قلت : لأن المراد الصفة، كأنه قال : لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق.
وقيل : إن «ما » مصدرية، أي : لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي. انتهى.
[ يعني أنه أريد به الصفة، وقد تقدم تحقيق ذلك في سورة «والشمس وضحاها » ].
وناقشه أبو حيَّان، فقال١٢ : أما حصره في قوله : لأن «لا » لا تدخل، وفي قوله : إنَّ «مَا » تدخل، فليس بصحيح ؛ بل ذلك غالب فيهما، لا متحتم، وقد ذكر النحاةُ دخول «لا » على المضارع يراد به الحال، ودخول «ما » على المضارع يراد به الاستقبال، وذلك مذكور في المبسُوطات من كتب النحو. ولذلك لم يذكر سيبويه ذلك بأداة الحصر، إنما قال١٣ : وتكون «لا » نفياً، لقوله :«نفعل » ولم يقع الفعلُ، قال :«وأمَّا » مَا «فهي نفي، لقوله : هو يفعل إذا كان في حال الفعل. فذكر الغالب فيهما.
قال القرطبيُّ٣ : كانوا يعبدون الأوثان، فإذا ملُّوا وثناً، وسئمُوا العبادة له رفضوه، ثم أخذوا وثناً غيره بشهوة نفوسهم، فإذا مروا بحجارة تعجبهم ألقوا هذه، ورفعوا تلك، فعظموها، ونصبوها آلهة يعبدونها، فأمر أن يقول : لا أعبدُ مَا تعبدُون اليوم من هذه الآلهة التي بيْن أيديكم، ثم قال صلى الله عليه وسلم : ولا أنتُم عَابدوُنَ مَا أعبدُ إنما تعبدون الوثنَ الذي اتخذتموه، وهو عندكم الآن، وَلاَ أنتُمْ عَابِدونَ ما أعبدُ ، فإني أعبد إلهي.
٢ البيت لعبيد بن الأبرص، ينظر ديوانه (١٣٦)، وشرح شواهد المغني (٩١)، والقرطبي ٢٠/١٥٥، والدر المصون ٦/٥٨٠..
٣ ينظر القرطبي ٢٠/١٥٥، والدر المصون ٦/٥٨١، وفتح القدير ٥/٥٠٧..
٤ تقدم..
٥ تقدم..
٦ ينظر المفصل ٥/٩٣..
٧ هو للمهلهل بن ربيعة، ينظر خزانة الأدب ٢/١٦٢، وشرح أبيات سيبويه ١/٤٦٦، والكتاب ٢/٢١٥، واللامات ص ٨٧، واللسان (لوم)، والخصائص ٣/٢٢٩، والقرطبي ٢٠/١٥٥، والدر المصون ٦/٥٨١..
٨ سقط من : أ..
٩ المحرر الوجيز ٥/٥٣١..
١٠ الكشاف ٤/٨٠٨..
١١ سقط من: أ..
١٢ البحر المحيط ٨/٥٢٣..
١٣ ينظر: الكتاب ٢/٣٠٥ -٣٠٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود