لا يروي المفسرون رواية خاصة في نزول هذه الآيات، والمتبادر أنها استمرار لحكاية مواقف الكفار وحكاية حالهم فهي والحالة هذه استمرار للسياق.
وقد تضمنت الأولى تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء مواقف الكفار وتحديهم، فقد كان يستشعر أحيانا بشيء من القلق وضيق الصدر، حينما كان يتلو عليهم الجديد من القرآن مخافة أن يتحدوه باستنزال ملك يؤيده أو كنز يلقى إليه. فليس هو إلاّ نذير وليس عليه إلاّ تبليغ ما يوحى إليه والله الوكيل على كل شيء.
وتضمنت الآية الثانية ترديدا لما كانوا ينسبونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم من افتراء القرآن وأمرا بحديهم بالمقابلة. فليأتوا بعشر سور مثله إذا كانوا صادقين في زعمهم بأنه مفترى وليستعينوا بمن يستطيعون على ذلك.
وتضمنت الآية الثالثة توكيدا في حالة عدم استجابة الكفار للتحدي بأن القرآن هو منزل بعلم الله الذي لا إله إلاّ هو ودعوة للسامعين إلى إسلام النفس له وحده. وينطوي في أسلوب الآية تقرير عجز الكفار عن الاستجابة إلى التحدي وإلزام للسامعين بالإسلام لله لأن عجزهم يثبت أن القرآن منزل من الله تعالى ولم يبق لهم مناص إلاّ الإذعان والتسليم.
ولقد تعددت أقوال أهل التأويل من الصدر الأول التي يرويها المفسرون عن المخاطب في الآية الثالثة، حيث قيل إنه النبي صلى الله عليه وسلم كما قيل إنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمون وقيل أيضا إنهم السامعون إطلاقا. والعبارة تتحمل كل ذلك، وإن كنا نرجح أن المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه معا، وكلمة ( لكم ) تقوي هذا الترجيح.
تعليق على الآية
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ الخ
والفقرة الأولى من الآية الأولى قد تورد على الخاطر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحسب أحيانا حساب مكابرة الكفار وتكذيبهم، ويقوم في ذهنه عدم إعلان جميع ما ينزل عليه وبخاصة ما فيه هجوم على آلهة الكفار وعقولهم فاحتوت الآيات تحذيرا وتنبيها له. وورود شيء من هذا في آيات أخرى وبخاصة آيات سورة الإسراء [ ٧٣ ـ ٧٥ ] على ما شرحناه في تفسير هذه السورة قد يقوي هذا الخاطر. غير أننا نرجح أن التعبير هنا تعبير أسلوبي يقصد به وصف شدة ما كان يلم بالنبي صلى الله عليه وسلم من ألم نفسي وضيق صدر من جراء موقف الكفار وتحدياتهم. وأنه ليس من نوع ما أشارت إليه آيات الإسراء المذكورة. وجملة أن يقولوا التي بمعني مخافة أن يقولوا ويطلبوا مؤيدات خارقة على صحة النبوة مثل استنزال ملك أو كنز قرينة على صحة الترجيح. وعلى كل حال فليس في الآية ما يمس العصمة النبوية في صدد تبليغ ما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية الأولى مدنية، وهي رواية غريبة لم نطلع على تأييد لها. فالآية منسجمة في السياق موضوعا وسبكا. والصورة التي احتوتها من صور العهد المكي. وهناك آيات لا خلاف في مكيتها، ومنها آيات سورة الفرقان [ ٧ـ ٨ ] احتوت مثلها. وهذا مما يسوّغ الشك في صحة الرواية.
ولقد روى الطبرسي في سياق هذه الآية عن ابن عباس أن رؤساء قريش أتوا رسوا الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له : إن كنت رسولا فحوّل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بملائكة يشهدون لك بالنبوة ؟ فأنزل الله الآية١. وروى الطبرسي في الوقت نفسه حديثا عن العياشي عن أبي عبد الله أحد الأئمة الاثني عشر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني سألت ربي أن يؤاخي بيني وبينك ففعل، وسألت ربي أن يجعلك وصيي ففعل، فقال بعض القوم : والله لصاع من تمر في شن بال أحب إلينا مما سأله محمد ربه، فهلا سأله ملكا يعضده على عدوه أو كنزا يستعين به على فاقته، فأنزل الله الآية٢.
وقد يكون ما ورد في الرواية الأولى قد قاله رؤساء قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مضمون الآية وأسلوبها يبعث على التوقف في أنها نزلت جوابا لقولهم عند التمعن فيها، ولعلهم قالوه في موقف آخر.
أما الرواية الثانية فهي متهافتة بل مخترعة فيما نعتقد وهي مثال من أمثلة كثيرة من روايات الشيعة في سياق كثير من الآيات لأجل تأييد أهوائهم.
دلالة تكرار تحدي
الكفار بالقرآن
هذا، ويلحظ أن تحدي القرآن للكفار بالإتيان بشيء مثل القرآن وتقريره الصريح والضمني بعجزهم عن ذلك قد توالى في السور الثلاث المتتابعة في النزول أي الإسراء ويونس وهود، يعني أن موضوع الوحي القرآني كان من أهم مواضيع الجدل والمكابرة من قبل الكفار. وهذا مؤيد بكثرة ما حكاه القرآن من مواقف جدلهم ومكابرتهم إزاء القرآن، مما مرت منه أمثلة عديدة. والتحدي في الآية التي نحن في صددها قوي مفحم فالكفار يقولون : إن القرآن مفترى وهذا يعني أن تقليده غير عسير، فيأتوا بعشر سور مفتريات منه إذا استطاعوا.
التفسير الحديث
دروزة