تمهيد :
كان كفار مكة يقترحون على النبي صلى الله عليه وسلم اقتراحات متعددة، مثل : تفجير الأرض بالمياه، أو زحزحه الجبال بعيدا عن مكة ؛ ليكون هواؤها عليلا بليلا، أو أن ينزل عليه ملك من السماء، يصحبه ويدعو الناس إلى الإيمان به وتصديقه، أو أن ينزل عليه كنز من السماء ينفق منه على أتباعه ؛ وقد حكى عنهم القرآن ذلك فقال : وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرً* أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا . ( الفرقان : ٧، ٨ ).
جاء في تفسير الفخر الرازي : عن ابن عباس : أن رؤساء مكة قالوا : يا محمد، اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، وقال آخرون : ائتنا بالملائكة يشهدون بنبوتك ؛ فقال : لا أقدر على ذلك فنزلت هذه الآية.
١٤ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ .
لهذه الآية وجهان :
الوجه الأول :
ذهب إليه ابن جرير الطبري وكثير من المفسرين وأساسه : أن الخطاب فيها موجه إلى المشركين. والمعنى : إذا عجزتم عن الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، وعجز من استعنتم بهم عن إجابتكم وتقديم هذه السور لكم ؛ فينبغي أن تعلموا علم اليقين أن هذا القرآن إنما أنزل بعلم الله وحده، وبقدرته وحدها، ولا يقدر على إنزاله بتلك الصورة أحد سواه.
واعلموا أيضا أنه سبحانه هو الإله الحق وحده، لا شريك له، فليس معه إله آخر، فهل أنتم بعد كل هذه الأدلة داخلون في الإسلام، ومتبعون لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
والمراد بالعلم : الاعتقاد الجازم البالغ نهاية اليقين، بصحة الإسلام، وصدق القرآن، وأن أحدا لا يقدر على الإتيان بمثله إلا الله.
الوجه الثاني :
أن الخطاب فيها موجه للرسول صلى الله عليه وسلم، والجمع فيها للتعظيم، أو أن الخطاب فيها للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه، وقيل : الخطاب فيها للمؤمنين وحدهم.
قال مجاهد : الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية.
والمعنى : إن لم يستحب لك هؤلاء الذين أعرضوا عن دعوة الحق بعد عجزهم عن الإتيان بعشر سور مثل القرآن فازدادوا علما ويقينا بصدق القرآن، وأنه من عند الله سبحانه، وازدادوا علما ويقينا بأنه لا إله إلا هو سبحانه المستحق للعبادة وحده.
فهل أنتم مسلمون ، ثابتون على الإسلام، مؤمنون به، ملتزمون بكل أوامره ونواهيه٢٦ ؟.
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة