ﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

يقول الحق سبحانه وتعالى :
ومن أظلم ممن افترى( ١ ) على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد( ٢ ) هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين( ١٨ ) :
هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء الذين افتروا على الله كذبا، والإقرار سيد الأدلة.
والواحد من هؤلاء المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلما أفدح ولا أسوأ من الذي يفتري على الله كذبا، ويقر بذلك.
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي القرار اعترافا بهذا الظلم الفظيع.
وهؤلاء المكذبون يعرضون على الله مصداقا لقول الحق سبحانه : أولئك يعرضون على ربهم.. ( ١٨ ) [ هود ] : والعرض إظهار الشيء الخفي لنقف على حاله.
ومثال ذلك في حياتنا : هو الاستعراض العسكري حتى يبيّن الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تبلغ الدولة غيرها من الدول بحجم قوتها.
وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر.
ومثال آخر من حياتنا : فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لو يؤد واجبه بالتمام.
فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم من الخزي ؟
ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراء ؛ لأن الحق سبحانه يقول : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة( ٣ ) يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عند.. ( ٣٩ ) [ النور ] : فأيّ خزي-إذن-سيشعرون به ؟ !
ويظهر الحق سبحانه وتعالى ما كان مخفيا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقا لقوله سبحانه : وعرضوا على ربك صفا.. ( ٤٨ ) [ الكهف ]، وكذلك يعرضون على النار ؛ لأن الحق سبحانه هو القائل : النار يعرضون عليها غدوا وعشيا( ٤ ).. ( ٤٦ ) [ غافر ] : وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا على الله تعالى.
وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في الجنة إنسانا في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن ؛ لأنه يعلم أن جزاء المفتري هو النار.
ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك شهادة الأشهاد ؛ لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية : ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.. ( ١٨ ) [ هود ] : والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة " شاهد "، مثل " صاحب " و " أصحاب "، ومرة يكون المفرد " شهيد " مثل " شريف " و " أشراف ".
والأشهاد منهم الملائكة ؛ لأن الحق سبحانه يقول : ما يلفظ( ٥ ) من قول إلا لديه رقيب عتيد( ٦ )( ١٨ ) [ ق ].
وكذلك يقول الحق سبحانه : وإن عليكم لحافظين( ٧ )( ١٠ ) كراما كاتبين( ١١ ) يعلمون ما تفعلون( ١٢ ) [ الانفطار ].
أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج الله ؛ لأن الحق سبحانه يقول : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا( ٨ )( ٤١ ) [ النساء ] : وأيضا الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه الصلاة والسلام، فيبلّغها إلى غيره، مصداقا لقول الحق سبحانه : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس.. ( ١٤٣ ) [ البقرة ] : وكلمة " الشهادة " تعني : تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضا أنهم بلّغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا بإعلام.
ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائما عبارة " يعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ".
إذن : فعمل الأشهاد أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بلغوا المنهج، وبلّغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار.
ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل نفسه ؛ لذلك فلا عقاب إلا بالتأكد من وقوع الجريمة، لذلك لابد من شهادات متعددة، وكذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا انه معصوم.
وكذلك يأتي الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بلغوا منهج الإيمان، ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل.
يقول الحق سبحانه : ويم يحشر أعداء الله على النار فهم يوزعون( ٩ )( ١٩ ) حتى إذا جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون( ٢٠ ) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون( ٢١ ) [ فصلت ] : فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين.
وسؤال المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له ؛ لذلك نجد السؤال هنا " لم " ؛ لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم ؛ لأن اليد هي التي امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق هي التي مشت على المعصية.
والإنسان-كما نعلم-مركّب من جوارح، وهذه الجوارح لها أجهزة تكوّن الكل الإنساني ومدير كل الجسم هو العقل، فهو الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم ؛ والعين تأخذ أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر على الحرام.
إذن : الجوارح خادمة مطيعة مسخّرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر لأحد إلا الله.
والحق سبحانه القائل : .. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار( ١٦ ) [ غافر ] : فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها : كنا نفعل ما تأمروننا به من المعاصي رغما عنا ؛ لأننا كنا مسخّرين لكم في الدنيا، والآن انحلّت إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله.
وهكذا تعترف الأشهاد، مصداقا لقول الحق سبحانه : .. ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين( ١٨ ) [ هود ] : وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه هو الله، ولابد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو الشرك به والإلحاد( ١٠ ) وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة.

١ افترى القول: اختلقه واخترعه. وافترى عليه الكذب: اخترعه. ويقول تعالى:أم يقولون افتراه..(٣٨)[يونس] أي: اخترع القرآن واختلقه من عند نفسه..
٢ الأشهاد: أي: الشهداء بالحق، وأشهاد: جمع شهيد، مثل أيتام جمع يتيم، والشهيد صفة مشبهة.[القاموس القويم]. وفي تعيين الأشهاد في هذه الآية أقوال: الملائكة الحفظة-الأنبياء والرسل. وقال قتادة: الخلائق أجمع. قاله القرطبي في تفسيره (٤/٣٣٣٦)..
٣ السراب: ما يرى في نصف النهار على الأرض الفضاء كأنه ماء، وليس بماء. وهو ظاهرة متعلقة بخداع البصر. والبقيعة: الأرض المستوية المنخفضة عما يحيط بها من مرتفعات وكذلك "القاع". يقول تعالى:ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا(١٠٥) فيذرها قاعا صفصفا(١٠٦) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا(١٠٧)[طه][القاموس القويم]. والأرض الصفصف هي الأرض المستوية الملساء أي: إن الجبال تزول فلا يكون لها أثر، ولا ترى في مكانها ارتفاعا ولا هبوطا ولا عوجا..
٤ الغدو: الدخول في أول النهار. والعشي: أخر النهار. وهذه الآية قيلت في حق فرعون وآله. وتمامها:.. ويم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب(٤٦)[غافر] وهذه الآية أصل في إثبات عذاب القبر عند أهل السنة. انظر:[تفسير ابن كثير ٤/٨١]..
٥ اللفظ: إخراج الشيء من الفم. والمراد به: التكلم. واللفظ: الرمي والإلقاء عامة. ومنه حديث ابن عمر أنه سئل عما لفظ البحر فنهي عنه. أراد ما يلقيه البحر من السمك إلى جانبه من غير اصطياد [اللسان: مادة لفظ]..
٦ الرقيب العتيد: الحاضر المستعد لإثبات ما يتكلم به الإنسان في كتاب الحسنات والسيئات.[القاموس القويم]..
٧ الحافظون: أي: الملائكة الرقباء والمحافظون عليكم. يقول تعالى:إن كل نفس لها عليها حافظ(٤)[الطارق] أي: ملك حافظ لها رقيب عليها. ويقول تعالى:وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة..(٦١)[الأنعام] أي: ملائكة يحفظونكم ويراقبون أعمالكم.[القاموس القويم]..
٨ عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي القرآن. قال: فقلت يا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل. قال: إني أشتهي أن أسمعه من غيري، فقرأت النساء حتى إذا بلغت:فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا(٤١)[النساء]. رفعت رأسي أو غمزني رجل على جنبي، فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل. أخرجه مسلم في صحيحه(٨٠٠) والبخاري في صحيحه (٥٠٥٥)..
٩ يوزعون: يمنعون عن التفرق ويجمعون في مكان واحد. والوزع و: الكف والمنع. يقال: وزعت الجيش إذا حبست أولهم على آخرهم، فيمتنع عليهم التفرق والانتشار.[انظر: لسان العرب-مادة: وزع]..
١٠ الملحد: العادل المائل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه. يقال: قد ألحد في الدين أي: حاد عنه. والإلحاد الظلم في الحرم، وهو أيضا الشك في الله، والميل عن الإيمان به [انظر: لسان العرب-مادة لحد]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير