ﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉ

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :
الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا( (١) ) وهم بالآخرة هم كافرون( ١٩ ) :
وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بكفرهم، بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن الإيمان.
وبذلك تعدّوا في الجريمة، فبعد أن أجرموا في ذواتهم ؛ أرادوا لغيرهم أن يجرم.
وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطابا خاصّا بأهل الكتاب، الذين سبق لهم الإيمان برسول سابق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا الآيات المبشرة برسول الله في كتبهم، وهم بذلك إنما صدّوا عن سبيل الله، وأرادوا أن تسير الحياة معوجة.
يقول الحق سبحانه : قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغافل عما تعملون( ٩٩ ) [ آل عمران ] :
وقد أرسل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليعدل المعوجّ من أمور المنهج. والعوج هو عدم الاستقامة والسوائية، وقد يكون في القيم، وهي ما قد خفي في المعنويات، فتقول : أخلاق فيها عوج، وأمانة فلان فيها عوج.
ويقول الحق سبحانه : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا( (٢) )( ١ ) [ الكهف ] : وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله سبحانه : ويبغونها عوجا.. ( ١٩ ) [ هود ]، وأما في الأمور المحسة فلا يقال :" عِوَج "، بل يقال :" عَوَج "، فأنت إذا رأيت شيئا معوجا في الأمور المحسة تقول : عَوج( (٣) ).
لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا( ١٠٥ ) فيذرها قاعا صفصفا( (٤) )( ١٠٦ ) لا ترى فيها عوج ولا أمتا( (٥) )( ١٠٧ ) [ طه ] : وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الأداء القرآني ؛ لأن هناك عوجا حسيا يحسه الإنسان، مثلما يسير الإنسان في الصحراء ؛ فيجد الطريق منبسطا ثم يرتفع على ربوة ثم ينبسط مرة أخرى، ثم يقف في الطريق جبل، ثم ينزل إلى واد، وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد فيه عوجا.
أما إذا كنت ترى الأرض مبسوطة مسطوحة كالأرض الزراعية، فقد تظن أنها أرض مستوية، ولكنها ليست كذلك ؛ بدليل أن الفلاح حين يغمر الأرض بالمياه، يجد بقعة من الأرض قد غرقت بالماء، وقطعة أخرى من نفس الأرض لم تمسها المياه، وبذلك نعرف أن الأرض فيها عوج لحظة أن جاء الماء، والماء-كما نعلم-هو ميزان كل الأشياء المسطوحة.
ولذلك حين نريد أن نحكم استواء جدار أو أرض، فنحن نأتي بميزان الماء ؛ لأنه يمنع حدوث أي عوج مهما بلغ هذا العوج من اللطف والدقة التي قد لا تراها العين المجردة.
وفي يوم القيامة يأتي أصحاب العوج في العقيدة، ويصورهم الحق سبحانه في قوله : يومئذ يتبعون الداعي لا عوج( (٦) ) له وخشعت الأصوات( (٧) ) للرحمن فلا تسمع إلا همسا( ١٠٨ ) [ طه ] : هم-إذن-يصطفّون بلا اعوجاج، كما يصطف المجرمون تبعا لأوامر من يقودهم إلى السجن، في ذلة وصغار( (٨) ) ولا ينطقون إلا همسا.
وهنا يقول الحق سبحانه : الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون( ١٩ ) [ هود ]. والسبب في صدّهم عن سبيل الله أنهم يريدون الحال معوجا ومائلا، وأن ينفّروا الناس من الإيمان ليضمنوا لأنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في الأرض ؛ لأن مجيء الإصلاح بالإيمان أمر يزعجهم تماما، ويسلب منهم ما ينتفعون به بالفساد.

١ عوج: مال وانحنى ولم يكن معتدلا. وعاج عوجا (بفتح العين والواو)، وعوجا (بكسر العين وفتح الواو). قال تعالى:قرآنا عربيا غير ذي عوج..(٢٨)[الزمر] أي: قرآنا مستقيما في مبادئه وأحكامه. وقال تعالى:ويبغونها عوجا..(١٩)[هود] أي: أن الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله يريدون سبيل الله معوجة. بالقاموس القويم]..
٢ ولم يجعل له عوجا: أي: أنه قرآن مستقيم سليم في أحكامه ومبادئه ولا اعوجاج فيه.[القاموس القويم] بتصرف..
٣ قال ابن منظور في اللسان (مادة عوج):"هو بفتح العين مختص بكل شخص مرئي كالأجسام، وبالكسر بما ليس بمرئي كالرأي والقول، وقيل: الكسر يقال فيهما معا، والأول أكثر"..
٤ فيذرها قاعا صفصفا: القاع: الأرض المستوية المنخفضة عما حولها. والصفصف: الأرض الملساء المستوية. أي: أن الجبال نزول، فلا يكون لها أثر.[القاموس القويم].
وذكر ابن كثير في تفسيره أن الله تعالى يذهب الجبال عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا، فيجعلها-أي: الأرض-قاعا صفصفا، أي: بساطا واحدا، والقاع هو المستوى من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى استواء الأرض يومئذ، وقيل: الذي لا نبات فيه والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم ولهذا قال:لا ترى فيها عوجا ولا أمتا أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا. قاله ابن عباس وعكرمة وآخرون.(ابن كثير ٣/١٦٥)..

٥ لا ترى فيها عوجا ولا أمتا(١٠٧)[طه]: أي: أنها ملساء مستوية، لا انحراف فيها يمنة ولا يسرة، فلا ميل فيها مطلقا ولا انخفاض فيها ولا ارتفاع.[القاموس القويم]..
٦ يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له أي: يوم القيامة الذي يرون فيه هذه الأحوال والأهوال فيستجيبون مسارعين على الداعي حيثما أمروا بادروا إليه، ولو كان هذا في الدنيا لكان انفع لهم. وقال قتادة: لا عوج له أي: لا يميلون عنه وخشعت: سكنت.[تفسير ابن كثير: ٣/١٦٥]..
٧ خشعت الأصوات: فتت وهدأت، كناية عن شدة الرهبة والخوف يوم القيامة. بالقاموس القويم-١/١٩٤]..
٨ الصغار (بفتح الصاد المشددة): الخضوع في ذل ومهانة.[لسان العرب-مادة: صغر]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير