يقول الفقير الظاهر ان اسناد الازدراء الى الأعين انما هو بالنسبة الى ظهوره فيها كما يقال فلان نظر الى فلان بعين التحقير دون عين التعظيم وهذا لا ينافى كونه من صفات القلب فى الحقيقة لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً فى الدنيا او فى الآخرة فعسى الله ان يؤتيهم خير الدارين وقد وقع كما قال فان نطق الأنبياء عليهم السلام انما هو من الوحى والإلهام حيث أورثهم الله ارضهم وديارهم بعد عزتهم اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من الايمان والمعرفة ورسوخهم فيه إِنِّي إِذاً اى إذ قلت ذلك لَمِنَ الظَّالِمِينَ لهم بحط مرتبتهم ونقص حقوقهم او من الظالمين لانفسهم بذلك فان وباله راجع الى أنفسهم. وفيه تعريض بانهم ظالمون فى ازدرائهم واسترذالهم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال (المسلم أخو المسلم) المراد اخوة الإسلام (لا يظلمه) بنقصه حقه او بمنعه إياه (ولا يخذله) بترك الاعانة والنصرة إذا استعان به فى دفع ظالم ونحوه (ولا يحقره) اى لا يحتقره ولا يستكبر عليه. والاحتقار بالفارسية [خوار داشتن] (التقوى هاهنا التقوى هاهنا التقوى هاهنا) ويشير الى صدره واصل التقوى الاجتناب والمراد هاهنا اجتناب المعاصي وكان المتقى يتخذ له وقاية من عذاب الله تعالى بترك المخالفة. وقوله هاهنا اشارة الى ان الأعمال الظاهرة لا تحصل بها التقوى وانما تحصل بما يقع من عظمة الله تعالى وخشيته ومراقبته فمن كانت التقوى فى قلبه فلا ينظر الى أحد بعين الحقارة (بحسب امرئ من الشر ان يحقر أخاه المسلم) يعنى يكفيه من الشر احتقاره أخاه المسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله) العرض موضع المدح والذم من الإنسان كما فى فتح القريب وقال ابن الملك عرض الرجل جانبه الذي يصونه قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا خاصمتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا اى أطلته. والمجادلة روم أحد الخصمين إسقاط كلام صاحبه وهو من الجدل وهو شدة الفتل فَأْتِنا بِما تَعِدُنا اى تعدناه من العذاب المعجل إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فى الدعوى والوعيد فان مناظرتك تؤثر فينا قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ عاجلا او آجلا وليس موكولا الىّ ولا مما يدخل تحت قدرتى. وفيه اشارة الى ان وقوع العذاب بمشيئة الله لا بالأعمال الموجبة للوقوع وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بالهرب او بالمدافعة كما تدافعون فى الكلام قال الامام فان أحدا لا يعجزه اى يمنعه مما أراد يفعله والمعجز هو الذي يفعل ما عنده فيتعذر به مراد الغير فيوصف بانه أعجزه فقوله تعالى وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ اى لا سبيل لكم الى ان تفعلوا ما عندكم فيمتنع على الله تعالى ما يشاء من العذاب ان أراد انزاله بكم وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي النصح كلمة جامعة لكل ما يدور عليه الخير من فعل او قول وحقيقته الخاصة ارادة الخير والدلالة عليه ونقيضه الغش وقيل هو اعلام موضع الغى ليتقى وموضع الرشد ليقتفى إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ شرط حذف جوابه لدلالة ما سبق عليه والتقدير ان أردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى وهذه الجملة دالة على ما حذف من جواب قوله تعالى إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ والتقدير ان كان الله يريدان يغويكم فان أردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى. وفيه اشارة الى ان نصح الأنبياء ودعوتهم لا تفيد الهداية مع ارادة الله الغواية والكل بيد الله تعالى: قال الحافظ
مكن بچشم حقارت نگاه بر من مست
كه نيست معصيت وزهد بي مشيت او
صفحة رقم 120
يقول الفقير قد سبق ان نوحا عليه السلام وصفهم بالجهل والجاهل لا ينفع فيه النصح والوعظ كما فى المثنوى
پند گفتن با جهول خوابناك
تخم افكندن بود در شوره خاك
چاك حمق وجهل نپذيرد رفو
تخم حكمت كم دهش اى پندگو
هُوَ رَبُّكُمْ خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم على أعمالكم لا محالة أَمْ يَقُولُونَ قوم نوح افْتَراهُ الضمير المستتر المرفوع لنوح عليه السلام والبارز للوحى الذي بلغه إليهم قُلْ يا نوح إِنِ افْتَرَيْتُهُ بالفرض البحت فهو لا يدل على انه كان شاكا بل هو قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول فَعَلَيَّ إِجْرامِي اى وبال اجرامى وهو كسب الذنب فالمضاف محذوف وان كنت صادقا فكذبتمونى فعليكم عقاب ذلك التكذيب فحذف لدلالة قوله تعالى وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ عليه اى من اجرامكم فى اسناد الافتراء الىّ فلا وجه لاعراضكم عنى ومعاداتكم لى. وفيه اشارة الى ان ذنوب النفس لا تنافى صفاء الروح ولا يتكدر الروح بها مادام متبرئا منها لكن كل من القوى يتكدر بما قارفه من ذنوب نفسه فالجهل يكدر الروح والميل الى ما سوى الله تعالى يكدر القلب والهوى يكدر النفس والشهوة تكدر الطبيعة فعلى العاقل تجلية هذه المرائى وتصقيلها له تعالى والتوجه الى الحضرة العلياء والعمل على وفق الهدى وترك المشتهيات قال حضرة شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة الإنسان. اما حيوانى وهم الذين غلب عليهم أوصاف الطبيعة واحوال الشهوة. واما شيطانى وهم الذين غلب عليهم أوصاف النفس واحوال الشيطنة. واما ملكى وهم الذين غلب عليهم أوصاف الروح واحوال الملكية. واما صاحب الجانبين وهم الذين استوى واشترك فيهم وصف الطبيعة والنفس ووصف الملكية والروح. واما رحمانى وهم الذين غلب عليهم وصف السر وحاله ثم الثلاثة الاول من يخرج منهم بالايمان من الدنيا فهم يدخلون الجنة بالفضل او بعد اقامة العدل وهم اصحاب اليمين وارباب الجمال ومن يخرج من الدنيا بلا ايمان فيدخلون الجحيم بالعدل وهم اصحاب الشمال وارباب الجلال والرابع من يخرج منهم بالايمان فهم اهل الأعراف والخامس هم ارباب الكمال السابقون المقربون وما منا الا له مقام معلوم ورزق مقسوم ثم الحيوانيون بعد ما خرجوا من الدنيا يحشرون مع الشياطين والملكيون يحشرون مع الملائكة واصحاب الجانبين يحشرون بين الطرفين والرحمانيون يحشرون مع قرب الرحمن قال عليه السلام (تموتون كما تعيشون وتحشرون كما تموتون) انتهى كلامه قال يحيى بن معاذ الرازي الناس ثلاثة اصناف. رجل شغله معاده عن معاشه. ورجل شغله معاشه عن معاده. ورجل مشتغل بهما جميعا فالاول درجة الفائزين والثاني درجة الهالكين والثالث درجة المخاطرين وفى الحديث (ان لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا اعقل الناس) قالوا يا رسول الله كيف كانوا اعقل الناس قال (كان نهمتهم المسابقة الى ربهم والمسارعة الى ما يرضيه وزهدوا فى الدنيا وفى رياستها وفى فضولها ونعميها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا)