نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤٦: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي : الذين وعدت إنجاءهم١ ؛ لأني٢ إنما وعدتك٣ بنجاة من آمن من أهلك ؛ ولهذا قال : وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ [ هود : ٤٠ ]، فكان هذا الولد ممن سَبَق عليه القول بالغرق لكفره ومخالفته أباه نبيّ الله نوحا، عليه السلام.
وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زِنْية٤، ويحكى القول بأنه ليس بابنه، وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد، والحسن، وعُبَيد بن عُمَير، وأبي جعفر الباقر، وابن جُرَيج، واحتج بعضهم بقوله : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ وبقوله : فَخَانَتَاهمُا [ التحريم : ١٠ ]، فممن قاله الحسن البصري، احتج بهاتين الآيتين. وبعضهم يقول : كان ابن امرأته. وهذا يحتمل٥ أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا، لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم.
وقال ابن عباس، وغير واحد من السلف : ما زنت امرأة نبي قط، قال : وقوله : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي : الذين وعدتك نجاتهم٦.
وقولُ ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله سبحانه٧ أغير من أن يمكن٨ امرأة نبي من الفاحشة٩ ولهذا غضب الله على الذين رمَوا أم المؤمنين عائشة بنتَ الصدّيق زوج النبي صلى الله عليه وسلم١٠، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه ؛ ولهذا قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلى قوله إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [ النور : ١١ - ١٥ ].
وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة وغيره، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال : هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة : في بعض الحروف :" إنه عَمِل عملا غير صالح "، والخيانة تكون على غير باب.
وقد ورد في الحديث أن رسول الله قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد قالت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ :" إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِح "، وسمعته يقول١١ : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر : ٥٣ ]١٢.
وقال أحمد أيضا : حدثنا وَكِيع، حدثنا هارون النحوي، عن ثابت البُنَاني، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن أم سلمة أن رسول الله قرأها :" إنه عَمِل غَيْرَ صَالِح " ١٣ أعاده أحمد أيضا في مسنده١٤.
أم سلمة هي١٥ أم المؤمنين والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء١٦ بنت يزيد، فإنها تكنى بذلك أيضا١٧.
وقال عبد الرزاق أيضًا : أخبرنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّة قال : سمعت ابن عباس - سُئِل - وهو إلى جَنْب الكعبة - عن قول الله : فَخَانَتَاهُمَا [ التحريم : ١٠ ]، قال : أما وإنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف. ثم قرأ : إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ قال ابن عيينة : وأخبرني عمار الدُهْبِي١٨ أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال : كان ابن نوح، إن الله لا يكذب ! قال تعالى : وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ قال : وقال بعض العلماء : ما فجرت امرأة نبي قط١٩.
وكذا روي عن مجاهد أيضًا، وعكرمة، والضحاك، وميمون بن مِهْران وثابت بن الحجاج، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير، وهو الصواب [ الذي ]٢٠ لا شك فيه.
٢ - في ت :"الذين أي : ليس من أهلك وعدت بنجاتهم لأنما"..
٣ - في ت، أ :"وعدناك"..
٤ - في ت، أ :"ليس منك إنما هو ولد زنية"..
٥ - في ت :"محتمل"..
٦ - في ت :"بنجاتهم"..
٧ - في ت :"تعالى"..
٨ - في ت :"يمكن من"..
٩ - في ت :"هذه الفاحشة"..
١٠ - في أ :"زوج النبي صلى الله عليه وسلم بالفاحشة"..
١١ - في ت :"يقرأ"..
١٢ - المسند (٦/٤٥٤)..
١٣ - المسند (٦/٢٩٤)..
١٤ - المسند (٦/٣٢٢)..
١٥ - في ت، أ :"هند"..
١٦ - في ت :"إنما هي أسماء"..
١٧ - قال الطبري في تفسيره (١٥/٣٤٨) :"ولا نعلم هذه القراءة قرأ بها أحد من قرأة الأمصار إلا بعض المتأخرين، واعتل في ذلك بخبر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ذلك كذلك، غير صحيح السند، وذلك حديث روي عن شهر بن حوشب، فمرة يقول : عن أم سلمة، ومرة يقول عن أسماء بنت يزيد. ، ولا نعلم أبنت يزيد يريد؟ ولا نعلم لشهر سماعا يصح عن أم سلمة". وانظر : حاشية الأستاذ محمود شاكر عليه فقد أفاد وأجاد..
١٨ - في ت :"الذهبي"..
١٩ - رواه الطبري في تفسيره (١٥/٣٤٣)..
٢٠ - زيادة من ت، أ..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة